Breadcrumb
مريم سوليكا: الخوف أصبح صناعة... وعلينا استعادة قصص الأمل في الإعلام

سوليكا، التي اختيرت ضمن الدفعة الخامسة من مبادرة القادة الشباب من أجل أهداف التنمية المستدامة لعام 2025، تدير اليوم مجتمعا رقميا يضم أكثر من 300 ألف شاب عربي، ويصل محتواه إلى ملايين المتابعين عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تقدم ما تصفه بـ"صحافة الحلول" التي تسلط الضوء على قصص الصمود والمبادرات الإيجابية في المنطقة العربية.
وخلال زيارة إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، تحدثت سوليكا إلى أخبار الأمم المتحدة عن رؤيتها لدور الإعلام، ولماذا ترى أن الشباب لم يعودوا بحاجة إلى انتظار مقعد على "طاولة صنع القرار".
الأمل خارج القاعة
قبل أيام، شاركت سوليكا في فعالية بالجمعية العامة للأمم المتحدة بمناسبة الذكرى الحادية والثمانين للتوقيع على ميثاق الأمم المتحدة. وفي كلمتها، ركزت على رسالة واحدة: الأمل.
وقالت لأخبار الأمم المتحدة: "كانت رسالتي بأكملها تتمثل في إيصال الأمل. إننا نمر بفترة صعبة للغاية، حتى إن الإنسان قد يجد صعوبة في النظر إليها بعين الأمل، من دون أن يظن الناس أنه شخص غير متزن أو غير طبيعي".
وترى مريم سوليكا أن مصدر هذا الأمل لا يقتصر على ما يدور داخل أروقة الأمم المتحدة، بل يبدأ خارجها، من المبادرات التي يقودها الشباب في مجتمعاتهم.
وأضافت: "طالما أن الشباب قادرون على القيام بأنشطة وفعاليات ومبادرات خارج قاعة الجمعية العامة، فلا يزال هناك أمل في أن تدخل هذه الطاقة إلى داخلها. أتمنى أن تمنح الدول الشباب فرصة، وأن تستمع إلى المبادرات التي يقودونها".
من إشعارات الوفيات إلى منصة للأخبار السارة
بدأت فكرة (ذا جود نيوز - The Good News) خلال جائحة كـوفيد-19، عندما كانت سوليكا تدرس الصحافة في مصر. تتذكر تلك الفترة قائلة إن هاتفها كان يمتلئ بإشعارات تتحدث عن الوفيات ونقص اللقاحات، حتى شعرت بأن الأخبار أصبحت مصدرا دائما للقلق.
وتقول: "دخلت في تحد مع نفسي أن أبحث كل يوم حتى أجد خبرا واحدا يجعلني أشعر بأن العالم لن ينتهي غدا".
ثم بدأت في نشر مقاطع قصيرة تجمع فيها الأخبار الإيجابية، ثم تحولت المبادرة تدريجيا إلى منصة متخصصة في صحافة الحلول، تقدم مقالات ومحتوى رقميا يركز على المبادرات الإنسانية والنجاحات المحلية.
"الخوف أصبح صناعة"
وترى سوليكا أن المشكلة لا تكمن في وجود الأخبار السلبية، بل في هيمنة الخوف على صناعة الإعلام. وتقول: "الهدف الأساسي لكثير من المحتوى اليوم هو تحقيق الأموال، لأن تخويف الإنسان هو أسهل وسيلة لجعله يضغط على الرابط أو يتفاعل مع المنشور".
وترى أن الصناعة الإعلامية أصبحت في كثير من الأحيان تقيس النجاح بعدد النقرات والمشاهدات، وهو ما أدى إلى تراجع الدور الأساسي للصحافة في نقل الصورة الكاملة.
وتضيف: "تنحينا عن دورنا الحقيقي، وهو أن نخبر الناس بكل ما يحدث، وليس فقط بما يحقق أعلى نسبة من التفاعل".
وتلفت إلى أن المنصات الرقمية عززت هذا الاتجاه، لأن التفاعل أصبح العملة الأساسية التي تحقق العائدات.
لماذا لا تتصدر قصص الصمود العناوين؟
تقول سوليكا إن تركيزها على الأخبار الإيجابية لا يعني تجاهل المآسي، بل إلى إكمال الصورة.
وتشير إلى أن الحرب في غزة أفرزت، إلى جانب الألم، قصصا كثيرة عن الصمود والمبادرة والتكافل، لكنها غالبا لا تحظى بالمساحة نفسها في وسائل الإعلام.
وتتساءل: "لماذا لا تظهر هذه القصص في العناوين الرئيسية؟ ومن صاحب المصلحة في ألا يظهر أن هناك أملا؟"
وتضيف أن الخوف، إذا استمر دون توازن، يتحول إلى حالة من الشلل: "الخوف يشبه المخدر؛ يدخل إلى جسدك فيخدرك، وعندها لن تستطيع أن تتحرك".
قصة طفل من غزة
ومن بين القصص التي أثارت تفاعلا واسعا على منصتها، قصة طفل فلسطيني بترت ساقه في غزة، فصنع لنفسه طرفا بديلا من أنبوب وجده بين الأنقاض ليمكنه الحركة.
تقول سوليكا إن بعض المتابعين اتهموها بالتركيز على الجانب الإيجابي وتجاهل أسباب المأساة، بينما رأى آخرون في القصة تجسيدا للصمود.
لكن المفاجأة كانت أن انتشار القصة ساهم لاحقا في وصول الطفل إلى العلاج المناسب في مصر. وتعلق قائلة: "هل أشعر بالسعادة عندما أنشر قصة كهذه؟ لا. الشعور ليس السعادة، وإنما شعور البقاء".
وتوضح أن هدفها ليس إنكار الواقع، وإنما توجيه الانتباه إلى الجانب الذي قد يغيب وسط سيل الأخبار: "الصورة الكاملة موجودة أمام الجميع تسعة وتسعين في المئة من الوقت. أنا فقط أحاول أن ألفت الانتباه إلى الواحد في المئة الذي لا يراه الناس".
الشباب والطاولة
ورغم اختيارها ضمن مبادرة القادة الشباب من أجل أهداف التنمية المستدامة، لا تعتقد سوليكا أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الشباب عن طاولات صنع القرار. بل تذهب إلى أبعد من ذلك، قائلة: "من وجهة نظري، لم نعد بحاجة إلى تلك الطاولة من الأساس".
وتوضح أن وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وفرت للشباب أدوات لبناء مساراتهم الخاصة، بعيدا عن المؤسسات التقليدية.
وتضيف: "السؤال لم يعد: هل للشباب مقعد على الطاولة؟ بل أصبح: ما هي هذه الطاولة؟ ومن الذي صنعها؟ وهل نستطيع أن نصنع طاولة بديلة؟"
وترى أن المبادرة الأممية للقادة الشباب تتيح مساحة مهمة للتعاون بين شباب من مختلف أنحاء العالم، وتبادل الخبرات والأفكار، بعيدا عن الأدوار الرسمية وصنع السياسات.
رسالة إلى الشباب
وفي ختام الحوار، وجهت سوليكا رسالة إلى الشباب، خاصة في المنطقة العربية، حيث يشعر كثيرون بالإحباط نتيجة النزاعات والأزمات.
وقالت: "اصنعوا مساحتكم الخاصة. واصنعوا طاولاتكم الخاصة. وادعوا إليها الأشخاص الذين ترون أنهم يستحقون أن يكونوا جزءا منها".
وأكدت أن العالم اليوم يوفر فرصا غير مسبوقة للوصول إلى المعرفة، داعية الشباب إلى الاستثمار في تطوير مهاراتهم وعدم انتظار الفرص التقليدية.
واختتمت حديثها برسالة مختصرة تلخص رؤيتها: "تولوا زمام المبادرة، وكونوا أسرع في أن تنشئوا شيئا خاصا بكم، واسعوا دائما إلى طلب العلم بكل السبل والوسائل المتاحة".
وبينما تستمر الحروب في تصدر نشرات الأخبار، تراهن مريم سوليكا على أن رواية القصص الإنسانية لا تقل أهمية عن نقل المآسي، وأن إظهار نماذج الصمود لا يعني تجاهل الواقع، بل يساعد الناس على رؤية الصورة كاملة، ويمنحهم القدرة على مواصلة العمل من أجل تغييرها.