تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مبادرة الأمم المتحدة 80 - ما الذي تغير؟ وما الخطوة التالية؟ وماذا يعني ذلك للناس؟

غاي رايدر، وكيل الأمين العام الأمم المتحدة للسياسات، خلال مقابلة مع أخبار الأمم المتحدة.
UN News
غاي رايدر، وكيل الأمين العام الأمم المتحدة لشؤون السياسات، خلال مقابلة مع أخبار الأمم المتحدة.
دخلت مبادرة "الأمم المتحدة 80" التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش في آذار/مارس 2025 بهدف جعل منظومة الأمم المتحدة أكثر فعالية وانسجاما وقدرة على الإنجاز - مرحلة حاسمة.

وخلال العام الماضي، اكتسبت جهود الإصلاح زخما كبيرا عبر مسارات العمل الثلاثة، بدءا من تعزيز الكفاءة وإدخال التحسينات، وصولا إلى تنفيذ الولايات والمهام الموكلة للمنظمة، وإجراء تغييرات هيكلية وبرامجية أوسع نطاقا.

ومع انتقال العملية من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، تحدثت أخبار الأمم المتحدة إلى السيد غاي رايدر وكيل الأمين العام للسياسات ورئيس فريق العمل المعني بمبادرة الأمم المتحدة 80 للحديث عما تغير، والنتائج التي بدأت تظهر بالفعل، وما يعنيه النجاح بالنسبة للأمم المتحدة وللأشخاص الذين تخدمهم.

أخبار الأمم المتحدة: ما الذي تغير منذ إطلاق مبادرة الأمم المتحدة 80؟

غاي رايدر: لقد قطعنا شوطا كبيرا خلال عام واحد، وأصبحت عملية الإصلاح تتمتع بزخم واضح.

والأمر اللافت حقا هو حجم التفاعل الذي أبدته الدول الأعضاء مع المبادرة. فعندما أطلقها الأمين العام، لم يكن مؤكدا ما إذا كانت الدول الأعضاء ستتعامل معها بجدية وتعمل معنا لمعالجة مشكلات صعبة ومعقدة، لكن الإجابة جاءت بالإيجاب.

وفيما يتعلق بمسار العمل الأول، الخاص بالكفاءة والتحسينات، فقد اعتمدنا الميزانية البرامجية للأمانة العامة لهذا العام. ورغم انخفاض حجم الميزانية بنسبة 9.2 في المائة من الناحية المالية، إلا أنها تعكس تدابير جديدة لتعزيز الكفاءة وأساليب عمل مستحدثة.

كما اعتمدنا قرارا هاما بشأن إدارة الولايات والمهام الموكلة إلينا. وإذا واصلنا السير على هذا النهج، فسيؤدي ذلك إلى إحداث تغيير وتحسين جذريين في آليات العمل اليومية لمنظومة الأمم المتحدة، بدءا من كيفية صياغة الولايات وتوزيع المسؤوليات وتوفير الموارد اللازمة لها، وصولا إلى تقييم النتائج، ومساءلة أنفسنا، واتخاذ القرار في نهاية المطاف بشأن ما إذا كانت هناك ولايات ينبغي إنهاؤها.

أما مسار العمل الثالث، المتعلق بالقضايا البرامجية والهيكلية، فيشمل تعزيز كل ركيزة من ركائز الميثاق: التنمية المستدامة، والسلم والأمن، وحقوق الإنسان، والعمل الإنساني، وكل هذا يستند إلى عوامل تمكين جديدة، مثل التكنولوجيا والبيانات وغيرها. 

وآمل أن تثمر هذه الجهود، بحلول نهاية العام، عن نتائج تعزز الأمم المتحدة، والأهم من ذلك، تعزز أثرها لصالح الأشخاص الذين تخدمهم.

ما النتائج الملموسة التي بدأت تظهر بالفعل؟

تتفاوت حزم العمل المختلفة في مراحل إنجازها، لكن هناك نتائج ملموسة بدأت تظهر على أرض الواقع.

فعلى صعيد العمل الإنساني، نسعى، من بين أمور أخرى، إلى توحيد سلاسل التوريد الإنسانية، إذ يذهب 70 في المائة من نفقاتنا الإنسانية إلى سلاسل التوريد، بدءا من عمليات الشراء والخدمات اللوجستية العالمية وصولا إلى التسليم داخل البلدان المعنية. ويجري حاليا تطبيق هذا النهج بصورة تجريبية في خمسة مواقع هامة، تمهيدا لتوسيع نطاق المبادرة وتعميم تطبيقها على نطاق شامل.

أما فيما يتعلق بالولايات والمهام الموكلة، فقد بدأت الإجراءات المتخذة تؤتي ثمارها بالفعل في عملية إعداد الميزانيات المستقبلية، بما يشمل معالجة أوجه الازدواجية بين مختلف أجزاء منظومة الأمم المتحدة.

كما أننا بصدد إطلاق منصة البيانات المشتركة في سبتمبر/أيلول المقبل. ففي السابق، كان الوصول إلى معلومات الأمم المتحدة يتطلب تصفح بيانات وإحصاءات موزعة على 26 موقعا إلكترونيا منفصلا، أما اعتبارا من أيلول/سبتمبر، فسيكون بالإمكان الوصول إلى جميع هذه المعلومات عبر موقع واحد.

إذن، نحن نحقق نتائج ملموسة، وهناك المزيد في الطريق.

يُخطِّط الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للحديث من منصة خلال اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في نيويورك.
UN Photo/Eskinder Debebe الأمين العام أنطونيو غوتيريش يُقدّم تقريرا لأعضاء الجمعية العامة بشأن مبادرة الأمم المتحدة 80.

يشير أحدث تقرير للأمين العام إلى أن المبادرة تمر بمرحلة حاسمة. فماذا يعني ذلك؟

لقد خصصنا وقتا طويلا لمرحلة التشخيص، ورغم أنها كانت شاقة، فإنها كانت ضرورية لتحديد المشكلات وبلورة طبيعة الحلول المناسبة. وقد أوصلتنا هذه المرحلة إلى الوضع الراهن، أي الاستعداد لاتخاذ قرارات عملية.

وتتطلب بعض جوانب مبادرة الأمم المتحدة 80 قرارات حكومية دولية لكي تدخل حيز التنفيذ. وفي هذه الحالات، يتعين إعداد مشاريع قرارات لعرضها على الجمعية العامة أو مجلس الأمن أو الهيئات الحكومية الدولية المعنية، إذ ينبغي خلال الأشهر المقبلة إعداد 19 مشروع قرار لتبت فيها تلك الهيئات.

وفي المقابل، هناك إجراءات تقع ضمن صلاحيات الأمين العام المباشرة، وسيتم اتخاذها بالفعل. وسنمضي قدما بخطوات حاسمة، مع إبقاء الدول الأعضاء على اطلاع دائم بالمستجدات.

وأعتقد أننا نمتلك فرصة سانحة، إذا ما أحسنا استغلالها، لتحقيق نتائج بالغة الأهمية خلال هذا العام.

من الناحية العملية، كيف تعزز مبادرة الأمم المتحدة 80 الركائز الثلاث للأمم المتحدة؟

في مجال التنمية المستدامة، نبني على الإصلاحات التي أُقرت في بداية ولاية الأمين العام، حين تم استحداث نظام المنسقين المقيمين.

ويعني ذلك إعادة النظر في تشكيل فرق الأمم المتحدة القطرية، ومحاولة تكييف وجودنا الميداني مع السياقات المختلفة، بدلا من اعتماد نهج موحد يطبق على الجميع. كما يعني ضمان الاستفادة من الخبرات المتاحة في مختلف أجهزة منظومة الأمم المتحدة لدعم الفرق القطرية عند الحاجة.

أما في مجال السلم والأمن، فإن مراجعة عمليات السلام ستتيح تقييم المشهد المتغير، وهو مشهد يبعث على الأسى ويتسم بالتدهور. ومع ذلك، علينا الإقرار بأن طبيعة النزاعات والحروب تتغير، وأن أدواتنا وآلياتنا المعنية بالسلم والأمن يجب أن تتطور لمواكبة هذه التغيرات.

وهناك أيضا الميثاق الإنساني الجديد. ففي وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بشكل هائل، بينما تتراجع الموارد المتاحة للمساعدات الإنسانية بصورة حادة، يتعين علينا الاستفادة القصوى من الوسائل المتاحة.

إن ثمن النجاح أو الفشل في هذا الصدد لا يتعلق بالبيروقراطية أو الميزانيات، بل بالأرواح البشرية، إذ ستكون حياة الناس على المحك إذا لم نؤد مهامنا بأفضل صورة ممكنة.

ويشدد الأمين العام على ضرورة المضي قدما في هذا المسار بطريقة متوازنة، فلا توجد ركيزة تتفوق على أخرى من حيث الأهمية. لذا، يتعين العمل عبر جميع هذه الركائز، وتحسين أساليب استخدامنا التكنولوجيا والبيانات والخدمات المشتركة في كافة أرجاء منظومة الأمم المتحدة.

تجلس مروة عوض، مسؤولة الاتصالات في برنامج WFP بدول مجلس التعاون الخليجي، على رافعة شوكية من طراز CAT، وتقودها في مستودع تابع لمقر الأمم المتحدة لتنمية الموارد البشرية في دبي. وتقف بجوار منصة نقالة كبيرة محملة ببسكويت عالي الطاقة، وهو جزء من شحنة مساعدات غذائية تزن 400 طن متري من برنامج الأغذية العالمي متجهة إلى أفغانستان.
© WFP/Marwa Awad وصول 400 طن متري من المساعدات الغذائية إلى مقر الأمم المتحدة لتنمية الموارد البشرية في دبي - الإمارات العربية المتحدة.

أعربت منظمات المجتمع المدني وأصحاب المصلحة الآخرون عن قلقهم إزاء الضغوط المتعلقة بالميزانية والتغييرات المرتبطة بمبادرة الأمم المتحدة 80، وما قد يعنيه ذلك بالنسبة للمهام الموكلة إلى الأمم المتحدة، كيف تردون على ذلك؟

من المهم للغاية التأكيد على أن الهدف من مبادرة الأمم المتحدة 80 هو بناء منظومة أممية أكثر فعالية وقوة وتأثيرا، وليس تقليص حجمها، إذ لا توجد فائدة ترجى من وجود منظومة أصغر حجما.

وبالطبع، نواجه ضغوطا مالية، إذ تشير التقديرات إلى أن إجمالي الإيرادات سينخفض بنحو 25 في المائة خلال 24 شهرا، وهو تراجع حاد للغاية.

وقد تأثرت العديد من الهيئات داخل المنظومة بشدة نتيجة هذا الوضع، ليس بسبب قرارات مبادرة الأمم المتحدة 80، بل بسبب قرارات اتخذتها الدول الأعضاء خارج إطار المبادرة.

والسؤال الجوهري هو: هل سنقود مسار التغيير الحتمي بطريقة تعزز الأمم المتحدة، أم سنترك التغيير يُفرض علينا من الخارج؟ فالخيار الثاني قد يقود إلى الفوضى والضرر وإضعاف منظومة الأمم المتحدة.

ولهذا، ينبغي لمبادرة الأمم المتحدة 80 أن تستبق هذه التحديات وأن تعمل على بناء منظمة أقوى.

ولا أنكر أن عملية التغيير، مهما بلغت دقة تصميمها واتساع المشاورات التي سبقتها، تظل عملية صعبة، إذ تولد حالة من عدم اليقين، وهي حالة تثير بطبيعتها شعورا بعدم الارتياح. وستكون هناك مجالات تتطلب اتخاذ قرارات صعبة.

لكننا نبذل قصارى جهدنا لضمان أن يتم التغيير بطريقة منظمة وسليمة، والتخفيف قدر الإمكان من تأثيراته على العاملين في المنظومة.

وقبل كل شيء، علينا ضمان أن تظل جميع خطواتنا متوافقة مع الميثاق وملتزمة بالمهام الموكلة إلينا دون أي حياد عنها. فالسبيل إلى المضي قدما يكمن في التمسك الصارم بالمبادئ، مع التحلي بالجرأة والإبداع في مسار الإصلاح.

ماذا يخبئ لنا ما تبقى من العام؟

تتمثل المرحلة المقبلة في إعداد سلسلة من القرارات الخاصة بعملية صنع القرار الحكومية الدولية.

ولدينا مهلة حتى نهاية العام في إطار مبادرة الأمم المتحدة 80، وإن كان الأمين العام يحث على تسريع وتيرة العمل مبكرا لضمان إنجاز أكبر قدر ممكن من التحضيرات قبل الأسبوع رفيع المستوى المقرر في سبتمبر/أيلول.

وستبقى هناك بعض المهام غير مكتملة، إذ لا أتوقع إنجاز جميع حزم العمل البالغ عددها 31 حزمة بالكامل بحلول نهاية العام، وسيعود لآخرين تحديد كيفية المضي قدما بها.

فعلى سبيل المثال، ستواصل مجموعة العمل المعنية بالتفويضات مهامها حتى شهر أيار/مايو 2027، كما أن ميزانية برامج الأمانة العامة لعام 2027 قيد الدراسة بالفعل، وهي عمليات تستمر بطبيعتها إلى ما بعد انتهاء ولاية السيد غوتيريش.

غاي رايدر، نائب الأمين العام للسياسة، يتحدث في اجتماع عام للجمعية العامة للأمم المتحدة حول مبادرة الأمم المتحدة 80.
UN Photo/Manuel Elías غاي رايدر، نائب الأمين العام للسياسات، يتحدث في اجتماع غير الرسمي للجمعية العامة للاستماع إلى إفادة حول مبادرة الأمم المتحدة 80.

كيف سيبدو النجاح بحلول نهاية هذا العام؟

سيتمثل النجاح في اتخاذ قرارات تضع الأمم المتحدة في موقع أفضل لمواجهة التحديات المقبلة، سواء كانت تحديات سياسية أو موارد أو مرتبطة بكسب التأييد للعمل متعدد الأطراف في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مدى فاعليتنا.

وإذا أنهينا العام وقد ترسخ الانطباع بأننا نعمل بطريقة تجعل الأمم المتحدة أكثر قدرة على الاستجابة لهذه التحديات الجسيمة، فسيكون ذلك نجاحا.

وحتى إن لم تكتمل العملية بالكامل، فإن مبادرة الأمم المتحدة 80 يمكن أن ترسم مسارا لمستقبل الأمم المتحدة.

منظر من مقر الأمم المتحدة في نيويورك، يحتوي على مبنى الجمعية العامة ومنبر الأمانة، مع علم 148 دولة عضو تطير في صف بطول أكثر من 500 قدم.
UN Photo/Yutaka Nagata مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك.

وماذا سيعني ذلك بالنسبة للأشخاص الذين تخدمهم الأمم المتحدة؟

سيظل الأشخاص الذين نخدمهم المعيار الأساسي لقياس النجاح.

فإذا استطعنا تحقيق أثر أكبر في دعم التنمية المستدامة، وجعلنا عملياتنا لحفظ السلم والأمن أكثر ملاءمة لطبيعة النزاعات التي تعصف بعالمنا اليوم، وأوصلنا المزيد من المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، وعززنا فاعلية حقوق الإنسان في حماية الحقوق الأساسية للأفراد، فإننا بذلك نكون قد أنجزنا عملا ينعكس على الحياة اليومية للناس الذين تقع على عاتقنا مسؤولية خدمتهم، والذين نخدمهم بالفعل.