تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

صيادو غزة بين لقمة العيش وخطر الموت و"انهيار مهنة توارثتها الأجيال"

يقوم صيادو غزة بسحب قاربهم إلى الشاطئ.
UN News
يقوم صيادو غزة بسحب قاربهم إلى الشاطئ.
في حوض ميناء غزة، حيث كانت مراكب الصيد تتحرك قبل الحرب بين الشاطئ والمياه المفتوحة جزئيا، تمتد اليوم خيام النازحين الفلسطينيين بين القوارب المتوقفة والهياكل المحترقة، في مشهد يلخص انهيار واحد من أقدم مصادر الرزق في القطاع.

على أطراف الميناء، يحاول صيادون إصلاح شباك ممزقة بأيديهم. بعضهم يعيد وصل الخيوط القديمة، وآخرون يتفقدون مراكب صغيرة بقيت بعد تدمير أو احتراق مراكب في القصف الإسرائيلي. لم يعد البحر بالنسبة لهؤلاء مصدرا للعمل فقط، بل مساحة خطر يومي قد تنتهي بالقتل أو الإصابة أو الاعتقال.

رجل أصلع يرتدي قميصاً مخططاً يجلس على شبكة صيد حمراء كبيرة في ميناء غزة، ويستخدم مقصاً لإصلاح الشبكة.
UN News يعمل الصيادون في ميناء غزة بأيديهم لإصلاح وإعادة ربط شباك الصيد التالفة.

قال الصياد أبو العبد الفصيح، وهو يصلح شبكة صيد بمساعدة أحد أبنائه، إن الصيد ليس مهنة عابرة يمكن استبدالها بسهولة.

وأضاف: "الصياد هنا تعوّد على مهنة الصيد، ولا توجد أمامه بدائل. غالبية الصيادين لا توجد لديهم مهن أو مصادر دخل غيرها. لو ذهب الصياد إلى مكان عمل آخر فلن يستطيع تدبّر أموره. مهنة الصيد موروثة عن الأجداد، ولا يستطيع الصياد أن يمارس مهنة أخرى، رغم أن هناك موتا وحصارا. ولو ذهب الصياد للعمل في التجارة أو الصناعة فلن يستطيع، لأنه لا يعرف غير هذه المهنة".

قبل الحرب، كان قطاع الصيد في غزة مصدر دخل مباشر لآلاف الصيادين، ومصدرا غذائيا مهما لسكان القطاع المحاصر. لكن الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ألحقت دمارا بالغا بالمرافئ والقوارب ومخازن المعدات والشباك.

تطفو بقايا هيكلية صدئة لقارب صيد كبير على شاطئ رملي بجوار قوارب صيد أصغر حجماً.
UN News ما تبقى من قوارب صيد الأسماك في غزة.

وتقول وكالات أممية إن ميناء غزة تضرر بشدة، وإن غالبية مراكب الصيد في شمال القطاع دُمرت أو تعطلت. كما أن القيود المفروضة على إدخال مواد مثل الألياف الزجاجية وقطع الغيار جعلت إصلاح القوارب الكبيرة شبه مستحيل أو باهظ التكلفة، ما دفع بعض الصيادين إلى الاعتماد على قوارب صغيرة ومواد بديلة.

في ميناء غزة، يتفقد الصياد نضال الداعور مع أقربائه مركبهم وشباكهم. لكنه يقول إن مجرد تجاوز بوابة الميناء بات مغامرة مفتوحة على كل الاحتمالات.

وقال الداعور: "إذا دخلنا البحر وغادرنا بوابة الميناء التي أمامكم، يقابلنا إما زورق حربي أو طراد عسكري. وفي كل الاتجاهات يكون المصير إما القتل أو الإصابة، وقد يتم اعتقالنا أيضا".

تنتشر الخيام التي تؤوي الفلسطينيين النازحين وسط القوارب الراسية والمباني المحترقة في غزة.
UN News تمتد الخيام التي تؤوي الفلسطينيين النازحين وسط القوارب الراسية والمباني المحترقة - مشهد يجسد انهيار أحد أقدم مصادر الرزق في قطاع غزة.

داخل الميناء، أقيمت خيمة صغيرة لتكون مقرا بديلا لنقابة الصيادين الفلسطينيين بعدما دُمر مقرها خلال الحرب. ومن هناك، يقول زكريا بكر منسق لجان الصيادين الفلسطينيين في قطاع غزة، إن الانهيار لا يقتصر على القوارب، بل يشمل كمية الغذاء التي كانت تصل إلى موائد السكان.

وقال بكر: "يكفي أن نتحدث عن كمية الأسماك التي كانت تُنتَج لصالح المواطن في قطاع غزة. قبل الحرب، كنا ننتج يوميا ما بين 15 و20 طنا من الأسماك، أما الآن فما يتم إنتاجه يتراوح بين 10 و15 طنا شهريا. بمعنى أن ما كان يُنتَج في يوم واحد، يُنتَج الآن في شهر كامل".

وأضاف: "هذا الواقع يأتي في ظل حرب تمارسها الزوارق الإسرائيلية، وكثيرا ما تُستخدم الطائرات المسيّرة والحربية لقصف مراكب الصيادين. هذه رحلة محفوفة بالمخاطر؛ الداخل إلى البحر مفقود، والخارج منه مولود. هذه لقمة مغمسة بالدم والجهد والعرق والتعب".

وتأتي أزمة الصيادين في وقت يعاني فيه قطاع غزة من نقص حاد في الغذاء وتضرر قطاعات الإنتاج المحلي، من الزراعة إلى الثروة الحيوانية والصيد. ومع تقييد حركة البضائع وارتفاع الأسعار ونقص الوقود ومواد الإصلاح، باتت قدرة الصيادين على استئناف العمل مرتبطة ليس فقط بسلامتهم في البحر، بل بإعادة بناء منظومة كاملة من القوارب والمعدات والمخازن والأسواق.

قرب أحد المراكب المتضررة، يحاول صياد سحب مياه البحر المتراكمة داخله بعدما قال صيادون إنه تعرض لإطلاق نار من زوارق إسرائيلية. وعلى مسافة قريبة، يقف عمر بكر، وهو من كبار صيادي غزة وكان يعمل معه عشرات الصيادين، أمام ما تبقى من رأس مال جمعه على مدى أربعة عقود.

صور ظلية لقاربين للصيد مع صيادين على الماء، والشمس تغرب خلف سماء ملبدة بالغيوم.
UN News قوارب الصيادين في غزة تقترب من الشاطئ.

قال بكر: "لا يوجد لدينا أي مصدر دخل سوى الصيد في البحر. منذ بداية الحرب لم ننزل إلى البحر للصيد، لأنه جرى تدمير كل عملنا. هذا المركب المدمر كان لي، وهناك مركب صيد آخر كبير، وكذلك غرفة معدات الصيد جرى قصفها وحرقها. لم نعد الآن نمتلك أي شيء".

وأضاف: "قضيت 40 عاما وأنا أجمع رأس المال هذا من عرق جبيني، وعلى حساب قوت أولادي، لكي أشتري الشباك ومعدات الصيد. وبكل أسف، جرى تدمير كل شيء مرة واحدة. كل تعب العمر تم محوه".

في نهاية اليوم، ترسو مراكب قليلة قرب شاطئ غزة. بعضها صغير لا يصلح إلا للصيد القريب، وبعضها الآخر متعطل ينتظر قطع غيار لا تدخل، أو بحرا لم يعد آمنا لمن يخرج إليه.

بالنسبة لصيادي غزة، لم تعد الخسارة تُقاس بعدد المراكب المحترقة أو الشباك الممزقة فقط، بل بانهيار مهنة ورثتها عائلات كاملة جيلا بعد جيل، وباختفاء مصدر غذاء كان يوما جزءا من قدرة القطاع على الصمود.