Breadcrumb
لوحات فنية ومعزوفات موسيقية من رحم الحرب والنزوح، فسحة أمل وتوثيق للمعاناة في غزة

رغم ما آل إليه القطاع طوال فترة الحرب التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى إعلان وقف إطلاق النار في مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2025، وما تبعه من تحديات، كان البعض يحصل على فرصة لعرض إبداعاتهم التي تصور حياتهم أثناء الحرب، مثل ذلك المعرض الذي احتضنته مدرسة الرمال التابعة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين (الأونـروا)، والتي تحولت إلى مركز لإيواء النازحين في مدينة غزة.
المعرض الفني ضم رسومات لطالبات نازحات ومنهن الطالبة فاطمة الزعانين، التي كانت تبكي عندما كان مراسل أخبار الأمم المتحدة في غزة يتحدث إليها وهي تصف لوحاتها.
وقالت وهي تشير إلى إحدى لوحاتها: "رسمت طفلا اسمه محمد، كان يتمنى أن يتبقى له شخص واحد من عائلته، لكن لم يبق له أحد. ورسمت طفلا يتحسر على أمه التي فقدها".
أما الطالبة نعمات حبوب (17 عاما) فكانت تقف أمام واحدة من رسوماتها وهي تتحسسها بيدها، فهي لوحة رسمتها لوجه أمها التي قُتلت في الحرب.
وقالت نعمات: "هذه لوحة ماما، الحمد لله رسمتها بعد ما تخطيت فراقها، ولا زلت أحاول أن أتخطى الفراق. أتمنى أن تدعوا جميعا لها".
وفي تلك المدرسة، تتلقى كل من فاطمة ونعمات دعما نفسيا يمكنهما من استكمال مسيرتهما التعليمية.
معرض داخل خيمة
شابة فلسطينية أخرى، أسست معرضها الخاص، داخل إحدى خيام النزوح في قلب مدينة غزة، وتحديدا في مدرسة أخرى تابعة للأونروا تحولت إلى مركز لإيواء النازحين.
إنها مرح خالد (18 عاما) التي قالت لمراسلنا إن "موهبة الرسم لدي تطورت أثناء الحرب، فقد كان هناك ضغط نفسي وخوف أكثر، فكان علي أن أفرغ كل هذه الطاقة في الرسم".
يغلب اللونان الأبيض والأسود على لوحات مرح، وتصور أغلبها وجوه أناس مرت بهم الشابة الفلسطينية، ينطق عدد منها بالحزن والمعاناة، بينما يطل الفزع والخوف واليأس من عدد آخر من تلك اللوحات.
وأوضحت أن السبب في أن معظم رسوماتها باللونين الأسود والأبيض، "لأنها تعكس الطاقة السلبية التي كانت بداخلي جراء الحرب".
وتحولت تلك الطاقة - كما قالت مرح - إلى "لوحات عن الأشخاص الذين قتلوا في الحرب، والصحفيين، والآلام التي عشتها، والجوع والمجاعة".
ولم يقف نقص مواد الرسم عقبة في طريق مرح، حيث تستخدم السخام الموجود على أواني الطهي كحبر للرسم، في ظل نقص أقلام الحبر أثناء الحرب.
رسم الأمل على صناديق المساعدات
ذلك النقص في المواد والأدوات، كان حافزا للفنان التشكيلي أحمد مهنا للبحث عن طرق مبتكرة للاستمرار في توثيق معاناة أهل غزة عبر الرسم.
فلجأ مهنا إلى صناديق طرود المساعدات المقدمة من برنامج الأغذية العالمي، "لأنقل عليها المعاناة التي كنا نمر بها".
وتحول عمل الفنان الفلسطيني إلى معرض متنقل خارج غزة يضم 100 لوحة رسمها على صناديق المساعدات الغذائية تروي قصة شعبه.
كما استخدم مهنا بواقي القليل من القهوة والشاي ومواد أخرى للرسم والتلوين بعد نفاد إمداداته، لتصبح المواد نفسها تجسيدا للمواضيع التي يرسمها، وهي الصمود، المثابرة، والإرادة التي لا تنكسر لانتزاع الجمال من بين ثنايا الدمار.
وكانت أخبار الأمم المتحدة قد زارت مهنا في مرسمه في مخيم البريج للاجئين وسط غزة أثناء رسمه واحدة من أحدث لوحاته.
وقال مهنا وهو يشرح ما تعنيه اللوحة التي تصور أما وأطفالها الثلاثة: "نتذكر مقولة الشاعر الفلسطيني محمود درويش: على هذه الأرض ما يستحق الحياة". وأشار أيضا إلى شمس تحيط بالعائلة داخل اللوحة، "وهو ما يوحي بالأمل".
"طيور غزة تغني"
فن آخر كان وسيلة للتعبير ومواجهة واقع الحرب المرير، وهو الموسيقى التي استخدمها مدرس الموسيقى والمنسق في معهد إدوارد سعيد للموسيقى، أحمد أبو عمشة، للترفيه عن الأطفال ونشر الفرح والسعادة بينهم. وقال إنه "رغم الجوع والمأساة والخوف، يبقى لدينا أمل بالغناء وتعلم الموسيقى".
أنشأ أبو عمشة داخل خيمة نزوح في مدينة غزة مجموعة موسيقية أطلق عليها اسم "Gaza Birds Singing" أو "طيور غزة تغني"، وتضم الفرقة أطفالا نازحين يمتلكون مواهب موسيقية.
وقال أبو عمشة عن المجموعة الموسيقية: "وُلدت هذه الفكرة خلال نزوحنا إلى منطقة مواصي خان يونس. هناك، التقيت طلابا وطالبات موهوبين جدا في الموسيقى، فأنشأنا الفريق ودربناهم على العزف والغناء.، والحمد لله، نغني الآن أغاني وطنية وتراثية، وأخرى تدعو للسلام والمحبة".
وأفاد بأن الفرقة نظمت عددا من الحفلات في المخيمات، مشيرا إلى أن هذه الأنشطة وجدت رواجا على وسائط التواصل الاجتماعي، وإقبالا جيدا من الناس.
تحولت خيمة أحمد أبو عمشة إلى مركز لتعليم الفن، حيث يجتمع صبيان وفتيات من أعمار مختلفة ليتعلموا العزف على آلات موسيقية متنوعة تشمل الجيتار والناي والطبلة، ومن بينهم ابنته يارا أبو عمشة، التي تتدرب على آلة الكمان.
الموسيقى بالنسبة ليارا أكثر من مجرد هواية، بل كانت أداة للتكيف أثناء النزوح المتكرر، حيث قالت: "في كل مرة نزحت فيها كنت أشعر بالخوف، ويبدأ قلبي بالخفقان. الآن، كلما شعرت بالخوف، ألجأ إلى الموسيقى".