تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حشود قياسية في المنتدى الحضري العالمي تؤيد "دعوة باكو للعمل" بشأن أزمة الإسكان العالمية

نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد أثناء إلقاء كلمتها في ختام الدورة الثالثة عشرة للمنتدى الحضري العالمي في باكو، أذربيجان.
© UN-Habitat/Togrul
نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد أثناء إلقاء كلمتها في ختام الدورة الثالثة عشرة للمنتدى الحضري العالمي في باكو، أذربيجان.
اختُتم اليوم في باكو، عاصمة أذربيجان، تجمع قياسي ضم أكثر من 57,000 مشارك – وهو الأكبر في تاريخ المنتدى الحضري العالمي – بإطلاق دعوة عاجلة لإعادة التفكير في الكيفية التي يؤمّن بها العالم السكن لسكانه، ورسم خارطة طريق جديدة تحث الحكومات والمدن والمجتمعات على العمل بشكل جماعي لمواجهة أزمة تمس مليارات البشر.

"دعوة باكو للعمل" التي صاغتها أصوات من 176 بلدا في ختام الدورة الثالثة عشرة للمنتدى الحضري العالمي، حددت مسارا مشتركا للمضي قدما يشتمل على الآتي:

🔹إعادة صياغة مفهوم الإسكان باعتباره نظاما متكاملا، يربط المساكن بالأراضي والبنية التحتية ووسائل النقل والخدمات والفرص الاقتصادية، بدلا من التعامل مع عملية البناء والتشييد بمعزل عن هذه العناصر.

🔹التصدي للضغوط المترابطة – بدءا من ارتفاع التكاليف والمضاربة على الأراضي، وصولا إلى النزوح، وضعف الحوكمة، والصدمات المناخية – وذلك من خلال حلول متكاملة تتمحور حول الإنسان.

🔹الإقرار بأن الإسكان والعدالة المناخية أمران لا ينفصلان، لا سيما أن المجتمعات الأكثر ضعفا هي الأكثر عرضة لمخاطر الفيضانات، وموجات الحر الشديد، والمخاطر البيئية الأخرى.

🔹توسيع نطاق الإسكان القادر على الصمود أمام التغيرات المناخية، وذلك من خلال تبني حلول قائمة على الطبيعة، وتحديث المباني القائمة، والارتقاء بالمستوطنات العشوائية، وتعزيز الجاهزية لمواجهة الكوارث.

🔹تحويل الالتزامات إلى واقع ملموس، عبر تعزيز الحوكمة متعددة المستويات، وتوسيع نطاق التمويل، وتحسين جودة البيانات، وتقديم دعم أكبر للحلول التي تقودها الجهات المحلية وتدفعها المجتمعات المحلية ذاتها.

السكن اللائق والتنمية المستدامة

"لا يوجد مسار لتحقيق خطة عام 2030 للتنمية المستدامة دون تحقيق التحضر المستدام وتوفير السكن اللائق".

كانت هذه كلمات نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد، في الحفل الختامي للمنتدى الذي نظمه برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل الأمم المتحدة) بالشراكة مع حكومة أذربيجان، ليسدل الستار على هذا التجمع الذي استمر لمدة أسبوع، وكان افتُتح في 17 أيار/مايو.

وقالت أمينة محمد إن المهمة الآن تكمن في تشكيل مدن تتسم بالشمولية والقدرة على الصمود، وتكون قادرة على توفير السكن الآمن والفرص للجميع، مع ضمان عدم ترك أي شخص خلف الركب.

الكرامة تبدأ من المنزل

بالنسبة لنائبة الأمين العام، تقع أزمة الإسكان عند مفترق طرق جميع التحديات العالمية الكبرى تقريبا؛ بدءا من الفقر وعدم المساواة، ووصولا إلى تغير المناخ والصراعات وعدم الاستقرار.

وقالت: "إن السكن اللائق يفتح الباب أمام الحصول على المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، وتوفير الطاقة اللازمة لإعداد وجبة طعام، أو لتدفئة الغرفة وإضاءتها. فالأمر يتعلق بالقدرة على تحمل التكاليف، وبالسلامة، وبضمان الحيازة".

وأضافت أن المدن تمثل "عمارة الأولويات"، إذ تكشف عما تختار البشرية بناءه، وكيفية بنائها له، ولمن تقوم بذلك، مشددة على أن "المنزل هو حيث تبدأ الكرامة".

اختبار للتعاون

ولفتت نائبة الأمين العام إلى أن انعقاد المنتدى يأتي في لحظة عصيبة تمر بها مسيرة التعاون العالمي.

وقالت أمينة محمد: "إن قيم ومبادئ مـيثاق الأمم المتحدة تتعرض للتقويض. فالتوترات تزداد حدة، والثقة تتلاشى، والانقسام يكتسب زخما متسارعا".

لكنها شددت على أن التعاون يظل السبيل الوحيد لمواجهة تحديات بهذا الحجم، مشيرة بصفة خاصة إلى الدور الذي تضطلع به السلطات المحلية.

واختتمت حديثها بالقول: "إن الحكومات المحلية هي الجهات التي تتلقى الاتصالات وتستجيب للنداءات حين تضرب العواصف؛ فهي التي تتولى توفير المياه، وخدمات النقل، والإسكان، وفرص العمل اللائق".

الإسكان ليس مجرد سلعة

بدورها، قالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية أناكلوديا روسباخ إن المنتدى بعث "رسالة قوية وموحدة" بشأن الحاجة الملحة للتحرك.

وأضافت: "إننا نمر بلحظة حاسمة بالنسبة لمستقبل الإسكان، إذ لم يعد بوسعنا تحمل ترف التقاعس عن العمل".

وحذرت من أن نظم الإسكان تتعرض لضغوط شديدة ناجمة عن عدم المساواة، والمضاربات العقارية، وضعف الحوكمة، والتوسع الحضري المتسارع، والنزوح، وأزمة المناخ.

وتابعت قائلة: "من الواضح أن أسواق الإسكان تعجز عن تلبية احتياجات الناس، حيث يُدفع المليارات من البشر نحو ظروف معيشية غير ملائمة وغير آمنة، وتفوق قدراتهم المالية".

وأضافت أن المنتدى قد أوضح بجلاء ضرورة ألا يُنظر إلى الإسكان باعتباره مجرد سلعة سوقية، قائلة: "الإسكان ليس مجرد سلعة فحسب، بل هو حق من حقوق الإنسان".

الانتقال من الالتزامات إلى التطبيق

ساد المنتدى توافق واسع النطاق على ضرورة أن تقترن الالتزامات السياسية بحلول عملية على أرض الواقع.

وأبرزت فرانسين بيك أب رئيسة وفد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المشارك في المنتدى، مسألة الحصول على التمويل باعتبارها تحديا محوريا، لا سيما بالنسبة للمدن الصغيرة والثانوية.

وقالت لأخبار الأمم المتحدة: "أعتقد أن التمويل يمثل حقا عنصرا بالغ الأهمية"، مشيرة في هذا الصدد إلى مشروع أُقيم في إقليم البنجاب بباكستان، حيث جرى الجمع بين الدعم الحكومي، والتمويل بشروط ميسرة، والاستثمارات الخاصة، بهدف توسيع نطاق حصول الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​على السكن. 

ونبهت إلى أن مسألة الحوكمة لا تقل أهمية وحيوية عن التمويل، مضيفة أن "الحكومات تحتاج إلى امتلاك القدرات اللازمة للتخطيط، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة التنفيذ".

وأشارت إلى أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد الأوروبي قد عملا مع نحو 400 بلدية في مختلف بلدان الشراكة الشرقية، وذلك لمساعدة السلطات المحلية على تصميم حلول تتمحور حول المواطن، فضلا عن جذب الاستثمارات.

من جانبه، سلط ستيفان بريسنر المنسق المقيم للأمم المتحدة في الهند، الضوء على حجم التحول الحضري الجاري في البلاد.

وقال: "يعد التحول الحضري في الهند واحدا من أضخم مسارات التنمية وأكثرها تأثيرا في عصرنا الراهن"، مشيرا إلى الدعم الذي تقدمه الأمم المتحدة في عدد من المجالات، بما فيها توفير الإسكان الميسر والبناء القادر على الصمود أمام التغيرات المناخية، والنقل والتخطيط الحضري القائم على البيانات.

وأكد أن منظومة الأمم المتحدة تفخر بتقديم الدعم لهذا المسار التنموي "بصوت واحد وجهد موحد"، مشيرا في هذا السياق إلى المساهمات التي قدمتها العديد من وكالات الأمم المتحدة المختلفة.

من أذربيجان إلى المكسيك

بالنسبة للمسؤولين الأذربيجانيين، شكلت استضافة المنتدى محطة بارزة وإنجازا تاريخيا، حيث قال أنار غولييف رئيس اللجنة الحكومية للتخطيط العمراني والهندسة المعمارية، إن المنتدى سيظل في الذاكرة ليس لضخامة حجمه فحسب، وإنما كذلك لتأثيره العميق.

وأضاف: "سيسجل المنتدى اسمه في التاريخ، ليس بصفته الأضخم فقط، بل أيضا بصفته المنصة التي أعادت قضية الإسكان إلى صدارة الأجندة السياسية العالمية".

ومن المقرر أن تُعقد الدورة الرابعة عشرة للمنتدى في المكسيك عام 2028؛ في حين دُعيت الدول الأعضاء إلى إبداء رغبتها في استضافة المنتدى لعام 2030.

مزيد من العمل والطموح

ومع مغادرة المشاركين لمدينة باكو، كان الشعور بإلحاح الموقف جليا ولا لبس فيه.

فمع اقتراب الموعد النهائي لعام 2030، وهو الموعد المحدد لتحقيق أهـداف التنمية المستدامة، شددت نائبة الأمين العام على ضرورة تسريع وتيرة التغيير.

وقالت: "لا ينبغي للعقد المقبل من الأجندة الحضرية الجديدة أن يشبه العقد الذي سبقه".

وأضافت أن "هناك حاجة إلى مزيد من الطموح، ومزيد من التمويل، ومزيد من العمل المناخي والقدرة على الصمود، ومزيد من الإلحاح السياسي".

مشاركة قياسية وحضور عالمي واسع

جمعت هذه الدورة – التي تعد الأكبر في تاريخ المنتدى الحضري العالمي على الإطلاق أكثر من 57,000 مشارك من 176 دولة، من بينهم أكثر من 3,000 مشارك انضموا إلى فعاليات المنتدى عبر الإنترنت.

واستضافت مدينة باكو 11 رئيس دولة، و88 وزيرا، و130 عمدة مدينة. وعلى مدار الأسبوع، أُقيمت 579 فعالية، في حين استقطب المعرض الحضري - الذي يعد الأضخم في تاريخ المنتدى - أكثر من 74,000 زيارة. وقام نحو 865 صحفيا بتغطية وقائع هذا التجمع.