تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

وسائل مواصلات بلا سائقين وحدائق مقاومة للفيضانات - بناء المدن الذكية بين الوعود والتحديات

نموذج لمدينة ذكية في المعرض الحضري خلال الدورة الثالثة عشرة للمنتدى الحضري العالمي في باكو، أذربيجان.
UN News
نموذج لمدينة ذكية في المعرض الحضري خلال الدورة الثالثة عشرة للمنتدى الحضري العالمي في باكو، أذربيجان.
وسائل النقل المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والحدائق المقاومة للفيضانات، والتوائم الرقمية، نماذج لتقنيات تقبل على تبنيها المدن على نطاق غير مسبوق. ولكن مع تسارع وتيرة الابتكار، يحذر الخبراء من أن عوامل مثل الشمول، والثقة، والأمن هي التي ستحدد في نهاية المطاف من هم المستفيدون الحقيقيون من هذه التطورات.

وفي المعرض الحضري الذي احتضنته الدورة الثالثة عشرة للمنتدى الحضري العالمي في العاصمة الأذربيجانية باكو، توقف الزوار أمام شاشات رقمية عملاقة تومض بعروض محاكاة للفيضانات، وأنظمة للتحكم في مترو الأنفاق، ونماذج افتراضية لأحياء سكنية بأكملها. 

وعبر أرجاء المعرض، قدمت المدن رؤية للحياة الحضرية التي أعاد تشكيلها الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والبيانات اللحظية، لتقدم بذلك لمحة عما تسميه العديد من الحكومات اليوم "مدينة المستقبل".

نموذج شنغهاي

قلة هي المدن التي تجسد حجم الطموح في مجال المدن الذكية كما تفعل مدينة شنغهاي. ففي الجناح الصيني في معرض المنتدى الذي ينظمه برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل الأمم المتحدة) بالشراكة مع حكومة أذربيجان، استعرض المسؤولون كيف تستخدم المدينة البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لبناء ما تسميه منصة "الإدارة الموحدة عبر شبكة واحدة"؛ وهو نظام ضخم يجمع بين قطاعات النقل، والبنية التحتية، والاستجابة للطوارئ، والخدمات العامة.

وسعت شنغهاي أيضا إلى تضييق الفجوة الرقمية؛ فمن خلال بوابتها الإلكترونية "الخدمات الحكومية الشاملة"، أصبح بإمكان السكان الوصول عبر الإنترنت إلى أكثر من 3500 خدمة حكومية.

ويقدم نظام النقل في المدينة لمحة أخرى عن المستقبل؛ إذ يعتمد مترو شنغهاي - الذي يعد واحدا من أضخم شبكات المترو في العالم، ويمتد لمسافة تزيد عن 800 كيلومتر ويضم أكثر من 400 محطة - على أنظمة مراقبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، واتصالات قائمة على تقنية الجيل الخامس، وتقنيات التنبؤ والتحكم في الأحوال الجوية، وذلك بهدف تعزيز مستويات السلامة والحد من أي انقطاعات أو أعطال في الخدمة.

وتعمل بالفعل عدة خطوط في الشبكة بقطارات مؤتمتة بالكامل بدون سائقين، حيث تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي مراقبة الأنفاق للكشف عن أي تشققات، أو تسربات للمياه، أو نقاط ضعف هيكلية؛ بينما يتم تحليل تدفقات هائلة من بيانات الركاب بشكل آنٍ لمنع حدوث أي اضطرابات أو أعطال في جميع أنحاء الشبكة.

ولعل المثال الأكثر إثارة للانتباه هو متنزه لينغانغ الذي يمتد على مساحة 54 هكتارا، ويجمع بين تصميم طبيعي مستوحى من الفضاء الكوني وبنية تحتية متطورة لإدارة مياه الفيضانات. تتيح الأرصفة النفاذة، وأنظمة الترشيح الجوفية، وشبكات الصرف الذكية للمتنزه امتصاص ما يصل إلى 15,000 متر مكعب من مياه الأمطار يوميا، فضلا عن تنقيتها وإعادة استخدامها.

منظر بانورامي على أفق شانغهاي عند الغسق، يضم ناطحات سحاب حديثة مثل برج شانغهاي وبرج اللؤلؤ الشرقية في الخلفية، والهندسة المعمارية الصينية التقليدية مع المباني المضاءة في المقدمة.
SMG International مدينة شنغهاي الصينية.

وضع الإنسان في المقام الأول

المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية أناكلوديا روسباخ حذرت من أن المدن تواجه أزمات متعددة، بما فيها نقص المساكن والمستوطنات العشوائية، والصدمات المناخية، وتفاقم مظاهر عدم المساواة.

وقالت روسباخ: "نحن بحاجة ماسة إلى الاستغلال الأمثل للتقنيات المتاحة بين أيدينا"، مشددة على أن المدن تظل في الخطوط الأمامية للمواجهة مع تحديات التغير المناخي، والنزاعات، والتوسع الحضري المتسارع.

غير أنها أكدت أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، مضيفة أن "أهم جانب في عملنا يكمن في ضرورة أن تكون المدن الذكية متمحورة حقا حول الإنسان". وأكدت أن حقوق الإنسان، والشمول، والإنصاف يجب أن تظل في صميم عملية التحول الرقمي.

ونبهت روسباخ إلى مخاطر الإقصاء الرقمي؛ فخلال جائحة كوفيد-19، وجد العديد من سكان المستوطنات العشوائية أنفسهم معزولين عن التعليم، والخدمات، وفرص العمل عن بُعد، بسبب الافتقار إلى الاتصال بالشبكات وسبل الوصول الرقمي.

أداة للتمكين أم السيطرة؟

ومع ذلك، ورغم إقبال المدن على تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي والبنى التحتية الرقمية، يحذر بعض الباحثين من الإفراط في التركيز على التكنولوجيا بحد ذاتها.

ومن هؤلاء، جينا ميلان المهندسة المعمارية والباحثة الحضرية من كولومبيا التي قالت لأخبار الأمم المتحدة: "ينظر معظم الناس إلى المدينة الذكية على أنها كيان تحركه التكنولوجيا في المقام الأول". وحذرت من أن التكنولوجيا قد تكون أداة لتمكين البشر، أو قد تتحول إلى "أداة للسيطرة"، وذلك تبعا لكيفية استخدامها.

وأشارت إلى أنه بالنسبة للعديد من المدن في بلدان الجنوب العالمي، لا سيما المستوطنات العشوائية التي غالبا ما تفتقر إلى البنى التحتية الأساسية أو خدمات الإنترنت الموثوقة، فإن المسألة لا تقتصر ببساطة على مجرد وجود التكنولوجيا المتقدمة، بل تتمحور حول ما إذا كانت تلك التكنولوجيا تسهم حقا في تحسين جودة الحياة اليومية للسكان.

الذكاء الاصطناعي وتغيير واقع المدن

ينتقل الذكاء الاصطناعي بسرعة من المشاريع التجريبية إلى حيز التنفيذ اليومي في إدارة المدن. وقال ديمتري أتوف المستشار في حكومة مدينة موسكو: "لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مصطلح رائج، بل أصبح عاملا حاسما في تغيير واقع المدن".

وحددت يينينغ تشاو مسؤولة المشاريع في الاتحاد الدولي للاتصالات، خمسة اتجاهات تكنولوجية تُشكل الحياة الحضرية:

🔹نماذج عالمية – وهي أنظمة ذكاء اصطناعي تحاكي سلوك المدن والبنية التحتية في ظروف العالم الحقيقي.

🔹الذكاء الاصطناعي الوكيل – وهو عبارة عن وكلاء رقميين مستقلين قادرين على التخطيط والتصرف بشكل مستقل.

🔹الذكاء الاصطناعي في العالم المادي – وذلك من خلال الروبوتات والطائرات المسيرة والآلات الذكية.

🔹بيئات افتراضية غامرة – وهي عوالم رقمية للعمل والتعلم والتعاون.

🔹التوائم الرقمية – وهي نسخ افتراضية للمدن تُستخدَم لاختبار السيناريوهات في الوقت الفعلي.

وتُشغل موسكو بالفعل أحد أكبر أنظمة التوائم الرقمية في العالم. ويتم تحديثه مرتين سنويا باستخدام الصور الجوية، ويحتوي على أكثر من 9000 طبقة تحليلية تُستخدم لنمذجة حركة المرور والبنية التحتية والتطوير المستقبلي.

المخاطر الكامنة

مع ازدياد ترابط المدن، تزداد هشاشتها. وفي أذربيجان، تشير السلطات إلى أن الأمن السيبراني بات محوريا للتنمية الحضرية مع توسع نطاق التقنيات الذكية.

وقالت أيتاج خلفلي ممثلة وكالة الأمن السيبراني الحكومية في أذربيجان: "الهجمات السيبرانية ليست مجرد مشكلة تقنية". وأضافت لأخبار الأمم المتحدة أن الأمن السيبراني يجب أن يُدمج في عملية التوسع الحضري منذ البداية.

وتتولى وكالتها حماية البنية التحتية الحيوية، ورصد التهديدات، وإجراء اختبارات اختراق لأنظمة الحكومة.

وحذرت خلفلي من أنه "في حال وقوع هجوم، قد تسود الفوضى في البلاد"، مشيرة إلى أن أنظمة النقل قد تعرضت بالفعل لحوادث سيبرانية.

وخلال المناقشات في باكو، أكد الخبراء على ضرورة تطور الثقة والشفافية والأمن جنبا إلى جنب مع الابتكار.

وقال نيكولاس يو، المدير التنفيذي لمعهد غوانجو للابتكار الحضري في الصين: "لم تعد الثقة اليوم ترفا، بل أصبحت بنية تحتية".

الذكاء لا يعني فقط التقنيات الرقمية

يؤكد مسؤولو الأمم المتحدة أن مستقبل المدن الذكية لن يُحسم بمن يمتلك أكبر مراكز البيانات، أو أكبر عدد من أجهزة الاستشعار، أو أسرع أنظمة ذكاء اصطناعي.

وقال ديمتري مارياسين من لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا "إن مفهوم الذكاء لا يعني دائما إدخال التقنيات الرقمية، أو حتى الابتكار؛ بل يتعلق الأمر أحيانا بالتخطيط السليم، وتحديد الأولويات، وفهم كيفية ترابط البنية التحتية فيما بينها".

وضرب أمثلة على ذلك بمشاريع تخضير المدن، وتحويل الطرق السريعة إلى مساحات عامة، وتنامي ظاهرة "التنقل النشط" التي تُعطى فيها الأولوية للمشاة وراكبي الدراجات.

وفي نهاية المطاف، قد لا يتمحور السؤال حول مدى "ذكاء" المدن، بقدر ما يتمحور حول الفئات التي صُممت هذه المدن لخدمتها.