تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأمم المتحدة: سوريا تواصل تحدي الصعاب، وفجوات التمويل تهدد التقدم

صبي يحمل خبزا في إحدى ضواحي دمشق، عاصمة سوريا.
© WFP/Hussam Al Saleh
صبي يحمل خبزا في إحدى ضواحي دمشق، عاصمة سوريا.
قال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر، إن سوريا شهدت "تقدما حقيقيا، ولكنه هش". ودعا المجتمع الدولي إلى مواصلة تقديم الدعم الملموس لتمكين البلاد من "الاستمرار في مواجهة الصعاب، والتاريخ، والتحديات، وتوقعات الكثير من الناس".

جاء ذلك خلال كلمته أمام مجلس الأمن الدولي اليوم الجمعة، حيث أشار إلى أنه في حين تراجع مستوى العنف، وخففت العقوبات، وتحسن الوصول الإنساني، فإن "مستويات التمويل تتراجع بوتيرة أسرع من الاحتياجات"، مؤكدا أن تأخر عملية التعافي "سيكلف في نهاية المطاف مزيدا من الأرواح ومزيدا من الأموال".

وقال فليتشر إن ما يقرب من ثلثي السكان في سوريا سيحتاجون إلى المساعدة هذا العام، ومعظمهم من النساء والفتيات والأطفال، غير أنه لن يتسنى الوصول سوى إلى نصف هؤلاء المحتاجين في ظل مستويات التمويل الحالية. 

وأضاف أن استمرار إغلاق مضيق هرمز أدى إلى ارتفاع تكاليف الغذاء والوقود، مما يخلف "عواقب فورية على المجتمعات التي تعيش بالفعل على حافة الهاوية".

ومع انقضاء ما يقرب من نصف العام، لا يزال نداء الاستجابة الإنساني الخاص بسوريا ممولا بنسبة تزيد قليلا عن 16% فقط، ويأتي ما يقرب من 90% من هذا التمويل من الولايات المتحدة، والدول الأوروبية، واليابان، وكندا. 

وفي هذا الصدد، قال فليتشر: "نحن على أهبة الاستعداد لتلقي التمويل من بقية دول العالم". وأوضح أن نقص التمويل أجبر برنامج الأغذية العالمي هذا الأسبوع على خفض مساعداته الغذائية الطارئة في سوريا بنسبة 50%، كما اضطره إلى تعليق برنامجه لدعم الخبز على مستوى البلاد، والذي كان يوفر الدعم لملايين الأشخاص يوميا.

الاستثمار في الاستقرار

قال وكيل الأمين العام إن الاستثمار في التعافي يعد أمرا جوهريا لتحقيق الاستقرار، حيث عاد أكثر من 3.4 مليون لاجئ ونازح داخليا إلى ديارهم في عام 2025، ولا يزال هذا الاتجاه مستمرا مع عودة أكثر من 315 ألف لاجئ خلال الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام.

وأضاف: "ارتفاع أعداد العائدين، وتعزز الاستقرار المؤسسي، وتحسن إمكانية الوصول الإنساني، كلها عوامل تتيح فرصة للانتقال إلى ما هو أبعد من مجرد الاستجابة الطارئة التي طال أمدها. إنها قصة نجاح محتملة، لكن تحقيقها لن يتسنى إلا إذا تحلينا بالشجاعة لاغتنام هذه الفرصة، ودعم القطاعات ذات الأولوية، لكي يتمكن الشعب السوري - بمن فيهم العائدون - من إعادة بناء حياتهم بكرامة". 

والد يدعى عمر يقف مع أطفاله الثلاثة عند معبر جدة يابوس الحدودي إلى الجمهورية العربية السورية، محاط بالمركبات.
© UNHCR/Vivian Toumeh عائلة تصل إلى معبر جدة يابوس الحدودي في سوريا.

أولويات واضحة

قال فليتشر إن أولويات الحكومة السورية واضحة، ولديها رؤية للمساعدة في نقل البلاد من مرحلة الاستجابة الإنسانية طويلة الأمد إلى حلول مستدامة ذات ملكية وطنية، وهو أمر يستحق دعما دوليا قويا. وأكد أن المجتمع الإنساني عازم على "أن تصبح سوريا مثالا على أفضل مقياس لنجاح الجهود الإنسانية - ألا وهو ألا تعود هناك حاجة إلى هذه الجهود".

وقال: "إذا اتخذ المجتمع الدولي الخيارات الصحيحة، فيمكن للشعب السوري أن يأمل في تحقيق أمن وعدالة وفرص مستدامة. أما إذا فشلنا في تمويل إتمام المهمة الإنسانية وتحقيق انتقال فعال نحو التعافي والاستقرار، فإن الثغرات القائمة اليوم ستخاطر بالتحول غدا إلى أزمات لا رجعة فيها".

بدء تحقيق العدالة

ومن جانبه، قال نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا كلاوديو كوردوني، إن الأسابيع القليلة الماضية شهدت تقدما نحو المساءلة واستمرارا في الانخراط الدولي والإقليمي، في ظل استمرار "التوترات التي لم تحل، والصعوبات الاقتصادية، والانتهاكات المتكررة لسيادة سوريا".

وأشار إلى مثول عاطف نجيب أمام المحكمة لمحاكمته على جرائم ارتكبت في مطلع الثورة في درعا عام 2011، فضلا عن المحاكمة الغيابية لمسؤولين آخرين، بمن فيهم الرئيس السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر.

وقال إن لائحة الاتهام تستند إلى كل من القانون السوري والقانون الدولي، وهو ما يمثل "جهدا محمودا لإدراج المساءلة ضمن إطار قانوني أوسع يعكس التزامات سوريا الدولية في مجال حقوق الإنسان".

كما أشار إلى اعتقال أمجد يوسف، وهو مشتبه به رئيسي في "مجزرة التضامن عام 2013"، وكذلك اعتقال اللواء السابق عدنان عبود حلوة على خلفية الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية عام 2013.

وفي معرض تعبيره عن تضامنه مع ضحايا الفظائع التي ارتكبت خلال النزاع في سوريا والناجين منها، قال: "ربما لم يكن يبدو ممكنا أن يمثل الجناة يوما ما أمام محكمة قانونية. ومع ذلك، فإننا نرى الآن أن العدالة - مهما تأخرت - يمكن أن تبدأ في التحقق".

وقال كوردوني إن الطريقة التي ستتعامل بها سوريا مع هذه الجرائم ستشكل اختبارا رئيسيا لمدى التزام البلاد بالعدالة وسيادة القانون، مضيفا أن ضمان مراعاة الأصول القانونية سيكون أمرا جوهريا لبناء الثقة العامة، "بما يضمن مساءلة الجناة بصفتهم الفردية، وليس مجتمعاتهم التي ينتمون إليها".

مزون المليحان سفيرة النوايا الحسنة لمنظمة اليونيسف والناشطة السورية في مجال التعليم (الوسط) تجلس على مقعد بأحد الفصول المدرسية مع عدد من الطالبات في مدرسة للفتيات في ريف دمشق، سوريا.
© UNICEF/Khalil Ashawi مزون المليحان سفيرة النوايا الحسنة لمنظمة اليونيسف والناشطة السورية في مجال التعليم (الوسط) تزور مدرسة للفتيات في ريف دمشق، سوريا.

الانتقال السياسي قيد الإنجاز

وقال نائب المبعوث الخاص إنه من الواضح أن الانتقال السياسي في البلاد "يتطلب هيئة تشريعية تباشر عملها دون تأخير، وبمشاركة فاعلة من النساء السوريات ومختلف مكونات المجتمع السوري"، منوها بالجهود المبذولة في هذا الصدد. 

وأضاف أن الحوكمة المستجيبة "لا تزال عملية قيد الإنجاز، وأن توسيع نطاق الشمول يعد أمرا جوهريا لضمان الشرعية والاستقرار".

كما تطرق إلى التقدم المحرز في تنفيذ الاتفاق المبرم بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن محافظة السويداء لا تزال تواجه حالة مستمرة من عدم الاستقرار السياسي والأمني.

وأعرب عن قلقه العميق إزاء الممارسات الإسرائيلية التي تنتهك سيادة سوريا ووحدة أراضيها، والتي "تهدد استقرار سوريا وتلحق الأذى بالمدنيين". ودعا إسرائيل إلى وقف هذه الانتهاكات والالتزام باتفاق فصل القوات لعام 1974، فضلا عن الكشف عن مصير المعتقلين السوريين وإطلاق سراح جميع المحتجزين خلافا لأحكام القانون الدولي.

التعافي الاقتصادي

وعلى الصعيد الاقتصادي، قال كوردوني إن السوريين لا يزالون يواجهون ظروفا معيشية صعبة، الأمر الذي أدى إلى تأجيج الاحتجاجات وموجات الانتقاد في العديد من مناطق البلاد.

وأشار إلى أن الأمم المتحدة تدعم الجهود التي تبذلها الحكومة لجذب الاستثمارات وتعزيز فرص الأعمال، إلا أن الثقة في آفاق تعافي سوريا وإعادة إعمارها تظل مقيدة بفعل العقوبات القائمة حاليا، فضلا عن التداعيات الاقتصادية والمؤسسية طويلة الأمد الناجمة عن العقوبات السابقة. 

وشدد على الأهمية الملحة "للتغلب على مثل هذه العوائق أمام الاستثمار والتدفقات المالية".