تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

العنف الجنسي في السودان - شهادات صادمة وعواقب طويلة الأمد على الضحايا والمجتمع

أكثر من 12 مليون شخص معرضون لخطر العنف الجنسي في السودان.
© UNICEF/Tess Ingram
أكثر من 12 مليون شخص معرضون لخطر العنف الجنسي في السودان.
"تعرضتْ لاغتصاب جماعي تحت تهديد السلاح من قبل أربعة من أفراد قوات الدعم السريع، وتركها المعتدون في زقاق مظلم". قصة مؤلمة أخرى لشابة سودانية من بين كثيرات من ضحايا العنف الجنسي الذي صار سمة للصراع في السودان الذي دخل عامه الرابع.

قصة هذه الشابة نقلتها براميلا باتن الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في اجتماع أمام مجلس الأمن. 

بدلا من الأمل الذي كان يحدو هذه الشابة في مستقبل أفضل بعد التخرج من الجامعة والحصول على درجة علمية في العلاقات الدولية، عليها الآن رعاية طفلها الذي حملت فيه نتيجة تعرضها للاغتصاب، وأن تعيش بعيدا عن أهلها خوفا من الوصمة.

طفل هذه الشابة والآلاف من الأطفال الآخرين الذين ولدوا نتيجة العنف المرتبط بالنزاع في السودان، يواجهون معضلة كبرى، وهو ما يوضحه توندراي تشيكوهوا كبير المستشارين في مكتب الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي أثناء الصراع.

قال تشيكوهوا إن هؤلاء الأطفال غالبا ما يفتقرون إلى الوضع القانوني والهوية نظرا للعجز عن إثبات نسبهم، كما يواجهون الإقصاء والتهميش إذ يُنظر إليهم على أنهم "أبناء العدو"، وبدورهم، قد يتحول هؤلاء الأطفال والشباب إلى أرضية خصبة "لتجنيد الجيل القادم من المقاتلين في الجماعات المسلحة".

وحذر كذلك من أن هناك تداعيات لهذا العنف الجنسي تؤثر على إمكانية تحقيق سلام دائم، مضيفا: "عندما يُرتكب العنف الجنسي ضد أفراد عائلتك - بمن فيهم الأطفال الصغار- فإن احتمالية العيش بسلام مع مرتكبي هذه الجرائم تصبح أمرا يزداد صعوبة وتعقيدا شيئا فشيئا".

أربع نساء يرتدين الحجاب يجلسن على جانب طريق ترابي في السودان.
© IOM مجموعة من السيدات السودانيات.

"أفظع الخطايا"

هذا الأثر الذي يطال السلم الأهلي، نبهت إليه مروة* ممثلة إحدى هذه المنظمات التي تعمل عن كثب مع المجموعات النسائية المحلية في السودان، التي تحدثت تحديدا عما تتعرض له الفتيات من اختطاف واستعباد جنسي. 

وأضافت مروة: "إنه نوع من إهانة العائلات، فبالنسبة لنا كمجتمع محافظ، اختطاف الفتاة هو من أفظع الخطايا"

وفي حوار مع أخبار الأمم المتحدة في جنيف أضافت أن هذه الممارسات لا تهدف فقط للاستعباد أو البيع، بل هي أيضا "نوع من هزيمة الناس من الداخل، لجعلهم يستسلمون"

وعلق كبير المستشارين في مكتب الممثلة الخاصة على خطورة هذا الأمر قائلا إن "العنف الجنسي يشكل جزءا من الاقتصاد السياسي للحرب. ولا يسعنا التقليل من خطورة النظرة التي تتعامل بها الجماعات المسلحة مع النساء والفتيات، وكيفية استخدامهن باعتبارهن غنائم حرب؛ إذ يُستخدمن كحافز لتشجيع تجنيد الشباب من خلال الوعود بتزويجهم أو منحهم سبايا لأغراض جنسية، أو باعتبارهن سلعا يُتاجر بها مقابل المال أو الأسلحة".

ليس هذا فحسب، بل "يُستخَدم العنف الجنسي كوسيلة لتهجير الناس" أيضا، وفقا لما ذكره المسؤول الأممي.

وقال تشيكوهوا إن الأمر يمتد أيضا لما بعد النزوح بالنسبة للنساء والفتيات، حيث "غالبا ما يواجهن مخاطر جسيمة داخل مخيمات النزوح مترامية الأطراف - مثل مخيم أبو شوك وغيره في دارفور- حيث تكون الأوضاع الأمنية غير مستقرة؛ كما يتعرضن للاستهداف أيضا عند مغادرتهن المخيمات لممارسة أنشطة كسب العيش".

النساء والأطفال النازحات في مخيم غوز، ولاية النيل الأبيض، السودان.
UNFPA نساء وأطفال نازحون في معسكر قوز السلام في ولاية النيل الأبيض، السودان.

فتيات ونساء منهكات

وفقا لدراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان، فإن 76% من النساء بين 25 و49 عاما يشعرن بعدم الأمان، سواء داخل مواقع النزوح أو خارجها. 

وسواء كن ضحية للعنف الجنسي أم للنزوح والشتات وفقدان الأحبة، فإن القاسم المشترك بين أولئك النساء والفتيات هو المعاناة وما مررن به من أهوال، ومنهن علياء (27 عاما) التي نزحت من منطقة الدبيبات في جنوب كردفان إلى مخيم الموحد في الأبيض بولاية شمال كردفان. 

قالت علياء إنه بعد التعرض للضرب والإذلال، "قتلوا زوجي وابني. كان زوجي يحمل ابننا على حمار، فأطلقوا النار عليهما وقتلوهما معا".

أما سلمى محمد بشارة (50 عاما) التي استغرقت رحلة نزوحها وعائلتها المكونة من تسعة أفراد سبعة أيام من الدلنج في جنوب كردفان إلى نفس المخيم، وكل ما تحلم به هو العودة إلى منزلها. وقالت "إن النساء منهكات من الحرب. ارتُكبت جرائم كثيرة ضدهن، بما في ذلك الاغتصاب".

التعرض لهذا الفعل الشنيع جعل بعض الفتيات يقررن الانتحار بسبب الوصمة، فيما لا تفارق الصدمة الكثيرات من النساء، كما أوضحت مروة، ممثلة إحدى منظمات المجتمع المدني.

وهناك من يخترن الإفصاح عما وقع لهن مثل تلك الشابة التي تبلغ من العمر 23 عاما التي التقتها في أحد ملاجئ النزوح ليلى بكر، المديرة الإقليمية لصندوق الأمم المتحدة للسكان للدول العربية. وبفضل خدمات يدعم تقديمها الصندوق، استطاعت هذه المرأة الشابة أن تبدأ رحلة التعافي من صدمتها.

تقف ممرضة منظمة أطباء بلا حدود (MSF)، مها، في قسم التوليد في تويلا بشمال دارفور، السودان، وهي تراجع سجلات المرضى محاطة بالأمهات النازحات والأطفال حديثي الولادة على أسرة المستشفى. تلتقط الصورة التحديات التي تواجه الرعاية الصحية في أزمة النزوح بدارفور.
© UNOCHA/Giles Clarke نساء فررن من القتال في مدينة الفاشر بدارفور يتلقين العلاج في مركز صحي في طويلة.

"نهج يرتكز على الناجين"

بدوره، يركز مكتب الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالعنف الجنسي أثناء النزاع على تبني "نهج يرتكز على الناجين"، ويستهل خطواته بإشراكهم من العنف الجنسي بفعالية.

وأكد توندراي تشيكوهوا المستشار في مكتب الممثلة الخاصة أنه رغم حالة اليأس والقنوط إزاء تفشي العنف الجنسي واستمراره بلا هوادة، "فإننا نشهد في الوقت ذاته صمودا مذهلا لدى الناجين، وشجاعة وعزما راسخا منهم لضمان أن تصل أصواتهم إلى مسامع الجميع".

هذا الرجاء يحمله الكثيرون في السودان الذين عانوا من ويلات الصراع، ومنهم الشابة إسماعيلية (16 عاما) التي نزحت إلى مخيم الموحد في مدينة الأبيض، حيث قالت: "آمل أن أعود إلى مدينتي ومدرستي. أرجوكم ساعدونا على إعادة بناء منزلنا والعودة".


*مروة اسم مستعار للسيدة السودانية التي فضلت حجب اسمها الحقيقي واسم منظمتها لدواع أمنية.