تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في زيارة تاريخية لمقر الأمم المتحدة، طاقم 'أرتميس 2' يبرز القيم الإنسانية المشتركة

الأمم المتحدة/بيتر دوكينز
السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، يتحدث إلى رواد الفضاء في مهمة "أرتيمس 2" في مقر الأمم المتحدة في نيويورك.
بعد مرور شهر على إتمام رحلتهم التاريخية حول القمر، حلّ رواد فضاء مهمة 'أرتميس 2' التابعة لوكالة ناسا ضيوفا على مقر الأمم المتحدة بنيويورك، حاملين رسالة مفادها: أن البشرية قادرة على تحقيق إنجازات استثنائية حينما تتضافر جهودها.

وجاءت زيارتهم يوم الخميس استمرارا لتقليد عريق؛ إذ دأب رواد الفضاء - من مختلف الجنسيات - على التوافد إلى الأمم المتحدة منذ عقود للحديث عن السلام، والتعاون الدولي، ومستقبلنا العالمي المشترك.

وقد نفّذ الطاقم المكون من أربعة أفراد أبعد رحلة فضائية بشرية في التاريخ، حيث سافروا إلى ما وراء الجانب البعيد من القمر، وعادوا بسلام إلى الأرض بعد عشرة أيام حافلة بالجهد والتحدي والإلهام. خلال تلك الفترة الوجيزة، استطاع هؤلاء الرواد "أسر خيال المليارات" من الناس وإحياء شعور بالمشاركة الإنسانية الجماعية في استكشاف الفضاء.

التقاليد والاستمرارية

لطالما رحب مبنى الجمعية العامة للأمم المتحدة برواد عصر الفضاء، بدءاً من رائدي الفضاء السوفيتيين يوري غاغارين وفالنتينا تيريشكوفا، أول رجل وامرأة يصعدان إلى الفضاء.

ولم ترمز زيارتهما في تشرين الأول/أكتوبر 1963 إلى التقدم التكنولوجي فحسب، بل جسّدت أيضا الفكرة القائلة بأن الكون هو حيز يمكن للبشرية أن تتحد فيه.

ومنذ ذلك الحين، دأب ممثلو العديد من الدول على مخاطبة المجتمع الدولي مرارا وتكرارا، مؤكدين أن استكشاف الفضاء أمر مستحيل دون التعاون وتقاسم المسؤولية.

يوري غاغارين وفالنتينا تيريشكوفا يتلقيان جائزة من مسؤولي الأمم المتحدة خلال حفل UNISPACE50 في فيينا.
UN Photo/YN حل أول رجل وامرأة في الفضاء، وهما رائدا الفضاء السوفييتيان يوري غاغارين (يمين) وفالنتينا تيريشكوفا (يسار)، ضيفين على الأمين العام للأمم المتحدة "يو ثانت" (وسط) في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.

وتأتي بعثة أرتميس 2  لتواصل هذا الإرث؛ فهي لا تمثل إنجازا تكنولوجيا رائدا فحسب، بل تُعد أيضا نموذجا للشراكة الدولية التي تضم دولا ومؤسسات متعددة، من بينها وكالة الفضاء الأوروبية، وتعتمد على أدوات وأنظمة علمية طوّرها متخصصون من شتى أنحاء العالم.

وصرح المندوب الدائم للولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة السفير مايك والتز، الذي استضاف الأمسية الحوارية مع رواد الفضاء أمام حشد من الحضور المتحمسين، قائلا: "لقد أتيحت لي الفرصة للتحدث مع الجميع في طريقنا إلى هنا؛ وأقصد هؤلاء الأشخاص الأربعة - ثلاثة أمريكيين وكندي واحد - وهم أشخاص طبيعيون للغاية لكنهم حققوا إنجازات استثنائية".

أما أفراد الطاقم فقد أكدوا أن مهمتهم لم تقتصر على اختبار مركبة فضائية فحسب، بل هدفت أيضا إلى تذكير الناس على الأرض بأن البشرية قادرة على تحقيق إنجازات عظيمة عندما تعمل بروح التعاون والتكاتف.

الأرض من أعماق الفضاء

كانت رؤية الأرض من أعماق الفضاء التجربة الأقوى على الإطلاق بالنسبة لجميع رواد الفضاء. من على بُعد مئات الآلاف من الأميال، بدا الكوكب صغيرا، هشا، يكاد يكون عديم الوزن في مواجهة الظلام الدامس - صورة أبرزت تفرد الأرض وندرة الحياة نفسها.

وقال الطيار فيكتور غلوفر: "لطالما شعرتُ بدافع قوي لأكون ممتنا لما نراه، وممتنا لما سنعود إليه في نهاية المطاف".

وصفت رائدة الفضاء كريستينا كوتش إدراكا مفاجئا لحجم البشرية في هذا الكون الشاسع، حيث قال: "تُدرك حينها أنه لا يوجد شيء مطلق أو مضمون في هذا الكون، وأن هناك بالفعل ما يُسمى بالمقياس العالمي... هذا المقياس هو عالمنا، وما نفعله به هو خيارنا".

يُظهر رواد فضاء ناسا في مهمة أرتميس 2، ريد وايسمان، وفيكتور غلوفر، وكريستينا كوخ، وجيرمي هانسن، إبهامهم مرفوعين داخل مركبة أوريون الفضائية، مع وجود العلمين الأمريكي والكندي ولافتة "أمريكا 250" في الخلفية.
© ناسا طاقم رحلة أرتميس الثانية إلى القمر.

الحياة على متن المركبة الفضائية

كانت الحياة داخل المركبة الفضائية بالغة الصعوبة. كان على الطاقم الموازنة بين التجارب، والملاحة، ومراقبة الأنظمة، والتكيف المستمر مع انعدام الجاذبية.

واستذكر رائد الفضاء الكندي جيريمي هانسن تلك اللحظات بالقول: "في أحد الأيام، كنتُ أفتح علبة غرانولا بالتوت. كان فيكتور يطفو بجانبي، وعندما فتحت العلبة، تناثر الطعام في أرجاء المركبة الفضائية، حتى أنه غطّى قميصه. فقال لي: 'لا تقلق، سأتولى الأمر'. فأخذ ملعقة، وشرع ببساطة في تناول الطعام مباشرة من فوق قميصه".

ترتفع الأرض فوق الأفق المتصدع للقمر.
© ناسا رحلة أرتميس الثانية إلى القمر.

العودة إلى القمر

تُعد مهمة أرتميس 2 (Artemis II) مجرد بداية لجهد أوسع نطاقا؛ إذ يهدف هذا البرنامج إلى إعادة البشر إلى القمر، وتأسيس وجود بشري مستدام على سطحه، وبناء بنية تحتية – تشمل قاعدة قمرية – لدعم عمليات الاستكشاف طويلة الأمد. وتستند هذه الخطط إلى "اتفاقيات أرتميس" (Artemis Accords)، وهي مجموعة من المبادئ الدولية التي حظيت بالفعل بتأييد العشرات من الدول.

وفي حديثهم من على منصة الأمم المتحدة، توجّه رواد الفضاء أيضا بكلماتهم إلى الشباب، مشجعين إياهم على ألا يخشوا طرح الأسئلة، وعلى الإنصات بعناية إلى الإجابات.

وفي ختام حديثهم، أكد أفراد الطاقم أن مقياس نجاح مهمة "أرتميس 2" لا يقتصر على المسافات المقطوعة أو الإنجازات التكنولوجية فحسب. فالفضاء يمنحنا منظورا يتيح لنا رؤية كوكب الأرض على حقيقته: كوكبٌ فريد، ومشترك بين الجميع، وبحاجة إلى الرعاية، وقادرٌ في الوقت ذاته على توحيد البشر وجمع شملهم.

وقال رائد الفضاء ريد وايزمان: "الجميع يسألني كيف يبدو شكل الأرض من الفضاء، وفي معظم الأحيان تكون إجابتي: إن هذه الأرض الصغيرة مكانٌ مذهل للغاية".

التحليق نحو النجوم

وفي غضون ذلك، كانت إحدى مهندسات الطيران والفضاء في وكالة ناسا – التي نشأت في تنزانيا وهي تحلم بأن تصبح رائدة فضاء – تعتقد في السابق أن تحقيق هذا الحلم أمر مستحيل من الناحية العملية.

أما اليوم، فتشغل أليندا ماشيكو منصب مديرة برامج في وكالة الفضاء الأمريكية، حيث تساهم في ضمان تجنب الأقمار الصناعية للاصطدامات أثناء دورانها في المدار، مما يعزز سلامة واستدامة البعثات الفضائية الرائدة، مثل مهمة أرتميس 2.

وفي مقابلة أجريناها معها قبل بضعة أيام، حدثتنا السيدة ماشيكو عن الأسلوب الذي تتبعه لتشجيع الفتيات على "التحليق نحو النجوم" والسعي لتحقيق أحلامهن.