Breadcrumb
نساء غزة - كفاح من أجل البقاء ودعم عشرات آلاف الأسر التي تعتمد عليهن

في شارع جلال غرب مدينة خان يونس – جنوب قطاع غزة – تجلس السيدة المسنة نغين بن عيسى خلف ماكينة خياطة متهالكة، تحرك ذراعيها بدقة لإصلاح الملابس لزبائنها. لم يكن هذا العمل خيارا بقدر ما كان ضرورة فرضتها الحرب بعد انقطاع المساعدات الاجتماعية التي كانت تعتمد عليها الأسرة.
وقالت بن عيسى: "هذه المهنة متعبة، ولكن من سيطعمنا أو يسقينا؟ لولا هذه الماكينة، وبفضل جارنا الذي سمح لي بالعمل في متجره، لما استطعت الاستمرار. أُجبرت على الخياطة بعدما توقف دعم الشؤون الاجتماعية".
وتواجه بن عيسى، كغيرها من أصحاب المهن الصغيرة، قفزات هائلة في أسعار المواد الخام نتيجة القيود المفروضة على دخول البضائع إلى القطاع. وتضيف: "المقص الذي كان سعره خمسة شواكل أصبح الآن بـ15، والخيوط ارتفعت من ثلاثة شواكل إلى 15، حتى متر القماش تضاعف سعره ست مرات. أحيانا نذهب للسوق ولا نجد حتى الخيوط".
وعلى مقربة من مستشفى ناصر، تدير جود كوارع بسطة لبيع الملابس الجاهزة، وهي تحاول التوفيق بين ساعات عملها الطويلة التي تمتد من السادسة صباحا حتى الخامسة مساء، وبين مسؤولياتها كأم في بيئة تفتقر لأدنى المقومات.
تقول كوارع التي فقدت زوجها ووالديها في الحرب: "لجأت لبيع الملابس لكي أستطيع إعالة نفسي وأولادي. لكنني مطالبة بعد انتهاء العمل بالعودة للطبخ وتجهيز الخبز والغسيل.. لا يوجد لدي وقت للراحة".
وتعكس قصتا بن عيسى وكوارع واقعا أوسع كشفت عنه أحدث بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، والتي تشير إلى أن النساء يدفعن الثمن الأغلى في هذه الحرب. فقد ارتفع عدد الأرامل إلى 22,057 امرأة، بينما قفزت نسبة الأسر التي تعيلها نساء من 12% قبل الحرب إلى نحو 18% في أواخر عام 2025.
من جانبها، تقدر هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن أسرة من بين كل سبع أسر في غزة تعيلها امرأة الآن، مما يعني وجود أكثر من 16 ألف امرأة فقدن أزواجهن ويتحملن عبئا مضاعفا في اتخاذ قرارات مصيرية وسط المجاعة والنزوح.
ولا تقتصر المعاناة على توفير الدخل، بل تمتد لتفاصيل الحياة اليومية الشاقة؛ حيث الطوابير الطويلة من النساء والأطفال الذين ينتظرون لساعات تحت الشمس للحصول على جالونات من المياه الصالحة للشرب، في مشهد بات يختصر يوميات النزوح في مخيمات قطاع غزة.
ومع استمرار الواقع الحالي، تجد هؤلاء النساء أنفسهن في مواجهة مباشرة مع انهيار شبكات الدعم الاجتماعي، مما يضطرهن للابتكار والكفاح في سوق عمل غير مستقر، لمحاولة العيش في ظل ظروف معيشية قاسية.