تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السودان - هجمات المسيّرات تشل المستشفيات وتهدد حياة آلاف النساء في دارفور وكردفان

أطباء يجرون عملية ولادة قيصرية في مستشفى الأبيض للولادة في السودان. ويواجه المستشفى نقصا في المعدات، حيث لا يعمل سوى 4 من أصل 7 غرف عمليات، فضلا عن محدودية القدرة على التخدير؛ مما يؤدي إلى وفيات بين الأمهات.
© UNFPA/Sufian Abdulmouty
أطباء يجرون عملية ولادة قيصرية في مستشفى الأبيض للولادة في السودان. ويواجه المستشفى نقصا في المعدات، حيث لا يعمل سوى 4 من أصل 7 غرف عمليات، فضلا عن محدودية القدرة على التخدير؛ مما يؤدي إلى وفيات بين الأمهات.
في ولايتي شرق دارفور وشمال كردفان السودانيتين، تتكشف صورة قاتمة لانهيار النظام الصحي، حيث لم تعد المرافق الطبية قادرة على أداء دورها في ظل تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة واتساع رقعة النزوح. وقد رسمت شهادات جمعها صندوق الأمم المتحدة للسكان من أطباء وكوادر صحية، ملامح واقع يزداد قسوة يوما بعد يوم، وتكشف عن فجوات خطيرة في الحصول على الرعاية المنقذة للحياة.

في مدينة الضعين بشرق دارفور، أدى هجوم بطائرة مسيّرة إلى توقف المستشفى التعليمي الرئيسي عن العمل بالكامل، وهو ما يصفه الدكتور بدر الدين عبد النبي، مدير منطقة شرق دارفور وغرب كردفان في منظمة ألايت الدولية غير الحكومية المعنية بالصحة بالقول: "بعد الهجوم بطائرة مسيرة على مستشفى الضعين التعليمي، توقف المستشفى عن العمل تماما... وقد أدى ذلك إلى فجوة حادة في الحصول على الرعاية الصحية المنقذة للحياة في جميع أنحاء المنطقة".

وقال المسؤول الطبي إن هذا التوقف المفاجئ لم يترك أمام السكان سوى خيارات محدودة، حيث تم تحويل الخدمات الأساسية إلى مركز رعاية أولية واحد:

"تدخلت منظمة ألايت للمساعدة في سد هذه الفجوة الحرجة من خلال تفعيل خدمات الطوارئ الشاملة للتوليد ورعاية حديثي الولادة في مركز العرب... وهو حاليا المرفق الوحيد العامل الذي يقدم خدمات الصحة الجنسية والإنجابية في جميع أنحاء الولاية".

امرأة سودانية حامل تستلقي على سرير مستشفى في غرفة طبية في مستشفى الوعيد للولادة، بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان، بعد نزوحها من منزلها في جنوب كردفان.
© UNFPA/Sufian Abdulmouty

مستشفى الأُبيّض يعمل في ظروف بالغة الصعوبة

في شمال كردفان، لا يبدو الوضع أفضل حالا. فمدينة الأبيض - التي تستضيف أعدادا كبيرة من النازحين - تواجه هجمات متكررة أثرت بشكل مباشر على المرافق الصحية، بما فيها مستشفى الأبيض للولادة، الذي يُعد المستشفى المرجعي الوحيد في غرب السودان. ويقدم المستشفى خدماته لأكثر من 230 ألف نازح، معظمهم من النساء والفتيات. 

يقدم المستشفى خدمات صحة الأم والطفل للنساء في المدينة والمناطق المحيطة بها. وفي شهر واحد فقط، سجل المستشفى ما معدله 25 حالة ولادة يوميا. وفي عام 2025، أجرى المستشفى 2655 عملية قيصرية و3479 ولادة طبيعية.

مدير مستشفى الأبيض، الدكتور حسن بابكر، سلط الضوء على حجم التحديات: "المستشفى يعمل في ظروف بالغة الصعوبة، بما في ذلك انقطاع التيار الكهربائي المتكرر وارتفاع تكاليف الوقود".

ورغم الدعم الذي يقدمه صندوق الأمم المتحدة للسكان، خاصة في مجال الطاقة الشمسية، لا تزال الإمكانيات محدودة، حسبما يقول الدكتور حسن بابكر، مضيفا أن النقص الحاد في المعدات والمستلزمات يفاقم الأزمة: "يحتوي المستشفى على سبع غرف عمليات، ولكن أربعا منها فقط تعمل حاليا... وقد حدثت وفيات للأمهات نتيجة مضاعفات متعلقة بالتخدير. نواجه نقصا كبيرا في المضادات الحيوية والخيوط الجراحية والقفازات... وقد فقد بعض المرضى حياتهم بسبب طول فترات الانتظار".

شهادة مؤلمة

وفي بعض الحالات الطارئة، حسبما يقول الدكتور حسن بابكر، يصبح غياب الإمكانيات مسألة حياة أو موت. ومن بين أكثر الشهادات إيلاما، تلك المتعلقة بحالة توائم خدّج لم تتوفر لهم الرعاية اللازمة: "أنجبت أم توأما ثلاثيا، جميعهم خُدّج واحتاجوا إلى رعاية مركزية. أُحيلوا إلى مستشفى الأطفال، لكن لم تكن هناك أسرة متاحة. اضطررنا لمشاهدة الأطفال يموتون أمام أعيننا. توفي اثنان من الأطفال الثلاثة، وغادر الثالث مع أمه، لكننا فقدنا الاتصال به ولا نعرف مصيره".

ممرضة مرتدية حجاب أحمر تراقب طفلا حديثا الولادة في حاضنة في مستشفى الوعيد للولادة في السودان. افتتح المستشفى وحدة حديثة الولادة في عام 2026 مع أربع أسرة فقط، مما يسلط الضوء على الحاجة الملحة لتوسيع القدرة.
© UNFPA/Sufian Abdulmouty

الكوادر الصحية تواصل العمل رغم التحديات

ولا تقتصر المعاناة على المرضى فقط، بل تشمل أيضا الكوادر الصحية التي تواصل العمل رغم الظروف القاسية. وفي ظل نقص المستلزمات، تجد بعض القابلات أنفسهن مضطرات لتحمل التكاليف، حسبما تقول السيدة إنصاف، كبيرة القابلات في مستشفى الأبيض للولادة: 

"الرواتب التي نتقاضاها لا تكفي حتى لتغطية تكاليف المواصلات الأساسية أو الوجبات التي نحتاجها خلال نوبات عملنا. مع ذلك، نواصل الحضور إلى المستشفى بدافع من شعورنا العميق بالواجب، فلم نتوقف عن العمل قط. في كثير من الأحيان، تصل النساء دون القدرة على شراء مستلزمات الولادة الأساسية، فنضطر إلى دفع ثمنها من نفقتنا الخاصة. إضافة إلى ذلك، لا نملك زيا رسميا مناسبا للعمل في المستشفى، ونضطر إلى ارتداء ملابسنا الشخصية، وهو أمر غير ملائم لبيئة طبية".

نفتقر إلى القطن والشاش

أما بيئة العمل داخل غرف الولادة، فتصفها ليلى سارفو، مشرفة القسم، بقولها: "لا توجد لدينا طاولات لوضع المواليد الجدد عليها، كما لا نملك معدات كافية لمكافحة العدوى. وحدات تعقيم الأدوات الجراحية معطلة. نفتقر إلى المستلزمات الأساسية مثل القطن والشاش المعقم، ولا نملك حتى ميزانا للأطفال. لا يوجد تكييف في غرف الولادة، مما يجعل ظروف العمل صعبة للغاية. تفتقر غرف الولادة أيضا إلى أي شكل من أشكال الخصوصية، وتحتاج إلى فواصل مناسبة لضمان سرية وكرامة المريضات".

ورغم كل ذلك، تؤكد أن المستشفى يستمر في استقبال النساء والفتيات النازحات من مختلف المناطق، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات وتتراجع فيه الإمكانيات.