تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لبنان يواجه "عاصفة متكاملة" - برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يحذر من أزمة مركبة مع استمرار الصراع

لبنان: تصاعد الدخان بعد تفجير في بيروت
© WFP/Alfredo Zúniga
لبنان: تصاعد الدخان بعد تفجير في بيروت
قالت الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان، بليرتا أليكو، إن البلاد تواجه "عاصفة متكاملة" نتيجة التصعيد المستمر للصراع الذي يشهده البلد، مقترنا بآثار الحرب السابقة وسنوات من الانهيار الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي. 

وفي حوار خاص مع أخبار الأمم المتحدة من بيروت، وصفت السيدة أليكو الوضع بأنه "قاتم للغاية"، في ظل استمرار الأعمال العدائية في البلاد، والتي أدت حتى الآن إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص، ومقتل عدد كبير من المدنيين، بمن فيهم مسعفون ومستجيبون أوائل، فضلا عن ثلاثة من حفظة السلام التابعين لليونيفيل. 

وقالت: "للأسف، لسنا متفائلين بالقدر الذي كنا نأمله في ساعات الصباح الأولى ... إنها أزمة مركبة تفرض صعوبات جمة على كل من يعيش في لبنان اليوم، ولكن الأهم من ذلك، على النازحين الذين يفترشون الشوارع ويقيمون في المدارس والملاجئ".

وأثناء إجراء المقابلة، تعرضت العاصمة اللبنانية لغارات جوية مكثفة، مما استدعى إخلاء جميع الموظفين في مقر الأمم المتحدة ونقلهم إلى الطابق السفلي. 

وعادت السيدة أليكو لتنضم إلينا لاحقا من داخل الملجأ، لتفيد بأن المدير العام للصليب الأحمر اللبناني كان قد أكد في تلك الأثناء مقتل وإصابة أكثر من 300 شخص جراء مئات الغارات على لبنان.

تعزيز قدرات الدولة

ورغم استمرار الصراع، سلطت أليكو الضوء على العمل المهم الذي يضطلع به برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مستندا في ذلك إلى الثقة والشراكات التي بناها على مر السنين.

وقالت إن هدف الوكالة الرئيسي هو تعزيز قدرات الدولة "لتكون في موقع القيادة وتتحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها في جميع أنحاء البلاد"، بما في ذلك من خلال جمع البيانات وتحليلها، والتنسيق وفهم الاحتياجات القائمة.

وأضافت أن البرنامج يدعم أيضا قدرات الدفاع المدني اللبناني، بمن فيهم فرق البحث والإنقاذ وفرق الإطفاء.

وأضافت: "إننا نكرس جهودنا لدعم مؤسسات الدولة على كافة المستويات، بدءا من البلديات وصولا إلى الحكومة المركزية، لتمكينها من الاستجابة للأزمة الراهنة، بينما نسعى في الوقت ذاته لضمان أن تتحول المدخلات الإنسانية المقدمة إلى أصول مستدامة تخدم مرحلة التعافي ومرحلة ما بعد الأزمة".

رجل يغسل يديه باستخدام جهاز توزيع المياه المؤقت الذي تم إنشاؤه من زجاجة بلاستيكية مثبتة على شجرة، مع العديد من زجاجات المياه الكبيرة الأخرى بالقرب. يوضح هذا المشهد جهود المساعدة الإنسانية للأسر النازحة في بيروت، لبنان.
© برنامج الأغذية العالمي/Arete/Ali Yunes
بعض سكان بيروت الذين نزحوا بسبب الصراع يعيشون الآن في شوارع العاصمة اللبنانية.

التفكير بالتعافي رغم استمرار الأزمة

قالت الممثلة المقيمة إن بناء مركز لتجميع المنتجات الزراعية، أو مدرسة، أو مركز صحي، يعد "جزءا من المعادلة"؛ غير أن الأهم من ذلك هو تعافي البشر أنفسهم، الذين سيعملون في المزارع، وسيرتادون المدارس والمراكز الصحية.

وشددت على أن الجهات المانحة قد أبدت قدرا كبيرا من التضامن مع لبنان، ليس فقط في تلبية الاحتياجات الإنسانية، بل أيضا في تثبيت استقرار الخدمات الاجتماعية وضمان إمكانية الوصول إليها.

بيد أنها أقرت أيضا بوجود ما يعرف بـ"إرهاق المانحين"، نظرا لأن الجهات المانحة الرئيسية في منطقة الخليج وأوروبا "تمر هي الأخرى بظروف صعبة". وشددت على ضرورة تحديد الأولويات وبناء أوجه تآزر وتكامل للجهود الأممية المختلفة.

وقالت في هذا الصدد: "بصفتي ممثلة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإنني أصر على ضرورة تقديم المدخلات الإنسانية بطريقة تساهم في التعافي على المدى الطويل. فعلى سبيل المثال، يتعين علينا التفكير مليا في كيفية إمداد المياه: هل يتم ذلك عبر المياه المعبأة في زجاجات، أم عبر الصهاريج، أم من خلال شبكات الأنابيب؟ وكيف نضمن إمكانية الوصول إلى مصادر الطاقة؟ هل يكون ذلك عبر الطاقة الشمسية، أم الوقود التقليدي، أم من خلال المولدات الكهربائية؟".

وشددت السيدة أليكو على أن كرم المانحين تجاه لبنان "لم يغب قط"؛ ولهذا السبب، بات من الضروري العمل على تثبيت استقرار الدولة وتمكينها من الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها، "لأن كافة الأنظمة الموازية الأخرى، ومهما بلغت فعاليتها على المدى القصير، تظل غير مجدية وغير فعالة على المدى الطويل".

"سوا منضل بخير"

كما تطرقت السيدة أليكو إلى مسألة الانقسام الطائفي في لبنان، والذي شهد تصاعدا ملحوظا منذ الأزمة الاقتصادية لعام 2019 والصراع السابق، وبلغ "ذروته" خلال الأزمة الراهنة.

وأشارت إلى أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على رصد هذه التوترات "عبر مختلف المستويات والشرائح الاجتماعية"، بما في ذلك داخل المجتمع اللبناني نفسه، وبين اللبنانيين واللاجئين في البلاد.

وأوضحت أليكو أن حدة هذا الانقسام قد تفاقمت "بفعل الخطابات السياسية شديدة الاستقطاب والانقسام، والتي للأسف الشديد، تغذيها مخاوف عميقة تتعلق بأزمة الهوية".

وفي سبيل التصدي لهذا الاتجاه، عمد البرنامج إلى توظيف كافة الشبكات والعلاقات التي بناها على مر السنين، كما يعمل على تنبيه المعنيين وحثهم على اتخاذ تدابير استباقية؛ بما في ذلك السلطات الحكومية، والأحزاب السياسية، ووسائل الإعلام، بل وحتى المواطنين أنفسهم.

كما أطلق البرنامج حملة واسعة النطاق لبناء السلام تحت شعار "سوا منضل بخير" (معا نبقى بخير)، والتي لاقت ترحيبا حارا من المجتمعات المحلية، ولا سيما في أوساط السكان النازحين.

أم تحمل طفلها الصغير قربها في مدرسة عامة في جبل لبنان، لبنان، كجزء من الاستجابة الطارئة لليونيسف للعائلات النازحة التي تسعى للحصول على ملجأ.
© UNICEF/Fouad Choufany
أُم تحمل ابنتها في مدرسة تحولت إلى ملجأ في جبل لبنان.

قالت أليكو: "يشترك العديد من اللبنانيين في هذه القيم ذاتها، وهذا هو الأساس الذي بنينا عليه هذه الحملة بالتعاون مع الحكومة. فالبرنامج لم يصغ هذه الرسالة من تلقاء نفسه؛ بل هي تعكس ما نسمعه في شوارع بيروت وصيدا وجبل لبنان، وفي كل مكان نتواجد فيه. وقد كان من الأهمية بمكان تضخيم هذه الرسالة التي تدعو إلى التكاتف والتعاطف والهوية الوطنية، لا سيما وأن اللبنانيين يمرون بهذه المرحلة العصيبة معا".

برامج تنموية معطلة

قالت أليكو إن 50% من البرامج التنموية للوكالة قد علقت، بسبب عدم إمكانية الوصول والخطر على سلامة الموظفين، وشددت على ضرورة تفعيل آليات "تجنب الاشتباك" لمواصلة العمل في مجالات مثل تأمين المياه، وإدارة النفايات، وتأمين الوصول إلى الطاقة. 

وأوضحت أن العديد من المشاريع علقت، لا سيما في الجنوب ومنطقة البقاع، في حين تعرضت مشاريع أخرى إما "لضربات مباشرة أو لأضرار جانبية" في سياق النزاع القائم.

وأكدت أن سلامة زملائها تمثل أولوية قصوى بالنسبة للوكالة، مؤكدة أن أكثر من 28 موظفا لديها اضطروا إلى النزوح مع عائلاتهم، تاركين خلفهم كل ما يملكون، وهم ليسوا على يقين بأنهم "سيجدون منازلهم ليعودوا إليها".