تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

سوريا - تقرير دولي حول أحداث السويداء: انتهاكات قد تصل إلى جرائم حرب

مدينة السويداء، خلال النزاع المسلح في يوليو 2025
© UNOCHA/Ali Haj Suleiman
مدينة السويداء، خلال النزاع المسلح في يوليو 2025
أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا تقريرا جديدا حول" أعمال العنف الوحشية" التي اجتاحت مدينة السويداء في شهر تموز/يوليو، وأسفرت عن مقتل أكثر من 1700 شخص وأجبرت ما يقارب 200 ألف شخص على النزوح من بيوتهم. 

يستند التقرير إلى مئات الشهادات المباشرة من الناجين والشهود في المجتمعات المتضررة، إلى جانب زيارات ميدانية مكثفة إلى المناطق الأكثر تضررا. 

وبعد أن وافقت الحكومة السورية على دخول أعضاء اللجنة* إلى المنطقة، وجد المحققون دمارا واسع النطاق، لا سيما في القرى الدرزية، حيث أُحرقت عشرات آلاف المنازل والمحال التجارية ودور العبادة. 

وفي بيان صحفي صادر عن اللجنة، قال رئيسها باولو سيرجيو بينيرو: "إن حجم ووحشية أعمال العنف والانتهاكات الموثقة في السويداء أمر مقلق للغاية. وهناك حاجة ماسة إلى بذل جهود موسعة لمحاسبة جميع الجناة، بغض النظر عن انتماءاتهم أو رتبهم، من أجل إعادة بناء الثقة بين المجتمعات المتضررة، إلى جانب إجراء حوار صادق لمعالجة الأسباب الجذرية." 

انتهاكات قد تصل إلى جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية

ووثقت اللجنة عمليات إعدام وتعذيب وعنف جنسي وحرق للمنازل على نطاق واسع، ضمن انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان اعتبرت أنها قد ترقى إلى جرائم حرب، وفي حال ثبوت العناصر اللازمة من خلال مزيد من التحقيقات قد ترقى أيضا إلى جرائم ضد الإنسانية. 

وقد اندلعت أحداث تموز/يوليو في البداية بسبب التوترات بين الطوائف، "قبل أن تتطور إلى ثلاث موجات مدمرة من العنف، استهدفت اثنتان منها المدنيين الدروز، بينما استهدفت الثالثة المدنيين البدو". 

🔹في الموجة الأولى، وهي الأكثر دموية، ارتكبت القوات الحكومية، برفقة مقاتلين من العشائر، انتهاكات واسعة النطاق للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان ضد المدنيين الدروز، خلال الفترة ما بين 14 و16 تموز/يوليو، في غرب محافظة السويداء ومدينة السويداء، بما في ذلك القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والنهب. 

وتم فصل الرجال الذين تم التعرف عليهم على أنهم دروز عن النساء والأطفال وإعدامهم، فيما أُطلق النار على آخرين في الشوارع أو قُتلوا في منازلهم إلى جانب أفراد أسرهم. 

🔹بدأت الموجة الثانية في 17 تموز/يوليو، عقب انسحاب القوات الحكومية بعد الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت محافظتي السويداء ودمشق. 

ثم هاجمت الجماعات المسلحة الدرزية المدنيين البدو، وارتكبت انتهاكات جسيمة، بما في ذلك القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والتشريد القسري والنهب، مما أدى في نهاية المطاف إلى طرد مجتمع البدو بأكمله تقريبا من المناطق الخاضعة لسيطرة هذه الجماعات. 

🔹الموجة الثالثة، والأكثر تدميرا، والتي نفذها مقاتلون من العشائر في الفترة من أواخر 17 إلى 19 تموز/يوليو، استهدفت مرة أخرى المدنيين الدروز ضمن أعمال انتقامية، حيث أُحرقت ونُهبت معظم المنازل والمحال التجارية والمواقع الدينية في نحو 35 قرية ذات أغلبية درزية أو مختلطة، كما قُتل مدنيون أو اختُطفوا. وانضم بعض أفراد القوات الحكومية إلى الهجمات بعد خلع زيهم العسكري. 

ولم يؤدّ التدخل العسكري الإسرائيلي - كما قالت اللجنة - والجهود السابقة الرامية إلى عرقلة عمل الحكومة وتقويض المركزية وزرع الفتنة، إلى سقوط قتلى وجرحى فحسب، بل ساهم أيضا في زعزعة الاستقرار، مما أدى إلى تأجيج اتهامات بالخيانة ضد قادة المجتمع الدرزي، وزيادة التحريض الإلكتروني على الكراهية والهجمات الانتقامية ضد المجتمع بأسره مما أدى إلى تقسيمه. 

استهداف على أساس الهوية

رافقت كل موجة من موجات العنف إهانات طائفية موجهة إلى المدنيين الدروز والبدو، وحددت اللجنة أنماطا واضحة للاستهداف على أساس الهوية الدينية والعرقية والعمر والنوع الاجتماعي. 

وأشار التقرير إلى أن جميع المجتمعات المحلية دعت إلى تحقيق العدالة وتجديد العلاقات بين الطوائف. كما تعهدت الحكومة بالمساءلة، ومنحت اللجنة إمكانية الوصول إلى السويداء، وأنشأت هيئة تحقيق وطنية أفادت مؤخرا باعتقال 23 من عناصر الأمن والجيش، ولم يتم الإفصاح سوى عن معلومات محدودة بشأن التحقيقات المتعلقة بمسؤولية القيادة. 

وبحسب التقرير، قُتل من المجتمع الدرزي 1,190 رجلا و99 امرأة و22 فتى و31 فتاة، فيما قُتل من المجتمع البدوي 53 رجلا و9 نساء و5 فتيان و3 فتيات. وكان معظمهم من المدنيين أو الأفراد الذين لم يشاركوا وقتها في الأعمال العدائية.

 كما لقي ما لا يقل عن 225 من عناصر الحكومة مصرعهم، كثير منهم في غارات جوية إسرائيلية. 

هجمات على أساس النوع الاجتماعي

واتسمت أعمال العنف ببعد جنساني واضح - وفق التقرير - حيث استُهدف الرجال والفتيان بشكل خاص، كما أفادت المجتمعات الدرزية والبدوية بوقوع أعمال عنف جنسي ضد النساء والفتيات، بما في ذلك الاغتصاب، مع استمرار التحقيق لتحديد الحجم الكامل لهذه الانتهاكات. 

ولا تزال محافظة السويداء منقسمة بشدة، مع انقطاع الحوار السياسي. ولم تتغير خطوط السيطرة منذ 19 تموز/يوليو ولا تزال الاشتباكات مستمرة.

من بين نحو 200 ألف شخص نزحوا في تموز/يوليو لا يزال نحو 155 ألف شخص، معظمهم من القرى الدرزية المحروقة، غير قادرين على العودة إلى ديارهم. كما لا يزال جميع السكان البدو تقريبا نازحين قسرا، ويعيش كثيرون في ظروف غير لائقة بعد مرور 8 أشهر. 

توصيات

دعا التقرير إلى تكثيف الجهود لضمان المساءلة الشاملة، وتوفير ضمانات ملموسة واتخاذ إجراءات لمنع تكرار الأحداث، وتعزيز المصالحة وبناء الثقة، ومكافحة خطاب الكراهية. 

وحث المجتمع الدولي إلى دعم الحكومة لتنفيذ توصيات اللجنة. ودعا الأطراف الخارجية، بما في ذلك إسرائيل، إلى وقف الأعمال التي قد تؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار وإلحاق الأذى بالمدنيين. 


*أنشئت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية بتاريخ 22 آب/أغسطس 2011 من مجلس حقوق الإنسان. وتتمثل ولاية اللجنة في التحقيق بشأن كل الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان المرتكبة منذ آذار/مارس 2011 في الجمهورية العربية السورية. وكلف مجلس حقوق الإنسان اللجنة كذلك بإثبات الوقائع والظروف التي قد ترقى إلى مثل تلك الانتهاكات، وخاصة الجرائم المرتكبة، مع القيام، حيثما أمكن، بتحديد الجناة بهدف التأكد من مساءلة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، بما في ذلك الانتهاكات التي قد ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية. وقد مدد مجلس حقوق الإنسان ولاية اللجنة مرارا منذ ذلك الحين، وآخرها حتى 31 آذار/مارس 2026.