تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

العدالة تقتضي المساءلة: "تمييز ضد النساء الفلسطينيات" تحت الاحتلال الإسرائيلي

أطفال يتلقون الرعاية في عيادة لعلاج سوء التغذية في دير البلح، قطاع غزة، في ظل الشح الحاد في الإمدادات والقيود المفروضة على دخول المساعدات.
© UNICEF/Eyad El Baba
أطفال يتلقون الرعاية في عيادة لعلاج سوء التغذية في دير البلح، قطاع غزة، في ظل الشح الحاد في الإمدادات والقيود المفروضة على دخول المساعدات.
كيف يمكن أن تتحقق العدالة للنساء في بيئة انهارت فيها المحاكم وتفككت فيها الأنظمة القانونية؟ وما معنى إعادة الإعمار إذا استمرت القيود التي تحرم النساء من حقوقهن الأساسية؟ وهل يكفي وقف إطلاق النار لضمان الحماية، أم أن المطلوب تفكيك منظومة كاملة من التمييز؟ هذه الأسئلة وأكثر كانت في صلب النقاشات خلال فعالية عقدت اليوم الأربعاء في مقر الأمم المتحدة في نيويورك في إطار اجتماعات لجنة وضع المرأة

أكد المشاركون في الفعالية أن الوصول إلى العدالة حق أساسي من حقوق الإنسان، ووسيلة لإعمال حقوق الإنسان الأخرى، مشيرين إلى أن تحقيق العدالة يتطلب ما هو أبعد من الحلول المؤقتة، وصولا إلى مساءلة حقيقية وإنهاء الاحتلال.

حملت الفعالية عنوان: "القوانين والسياسات التمييزية ضد النساء والفتيات الفلسطينيات تحت الاحتلال الإسرائيلي: العدالة تقتضي المساءلة"، نظمتها لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف.

تقوية آليات الحماية من العنف 

قناة أخبار نسائية ذات شعر بني تجلس في استوديو مع خلفية تظهر منظر مضيء على القدس في الليل، بما في ذلك قبة الصخرة.
UN News

منى الخليلي وزيرة شؤون المرأة الفلسطينية تحدثت في مستهل الجلسة، مسلطة الضوء على التحديات الجسيمة ومتعددة الأوجه التي تواجه النساء الفلسطينيات في ظل الصراع المستمر، مؤكدةً على صمودهن والعبء غير المتناسب الذي يتحملنه. 

ووصفت الخليلي – في كلمة مسجلة عبر الفيديو – المرأة بأنها ركيزة أساسية في المجتمع الفلسطيني، فهي بمثابة راعية ومهنية ومدافعة عن حقوق الإنسان، ومع ذلك فهي تعاني من مصاعب مضاعفة خلال الأزمات. 

وقالت إن وزارة شؤون المرأة تعمل على تعزيز الإصلاحات القانونية، وتقوية آليات الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، ووضع استراتيجيات وطنية تتماشى مع الأطر الدولية، مثل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1325 المتعلق بالمرأة والسلم والأمن.

واختتمت حديثها بربط حقوق المرأة بأهداف سياسية أوسع، مؤكدة أن التقدم الدائم يعتمد على إنهاء الاحتلال وتحقيق حق الفلسطينيين في تقرير المصير، مع اضطلاع المرأة بدور محوري في بناء مستقبل عادل ومستدام.

الاحتلال وأثره في وصول النساء إلى العدالة

مجموعة من الدبلوماسيين يجلسون على طاولة مؤتمر رسمي. علامة لدولة فلسطين مرئية على اليسار، مع علامات للرئيس والسكرتير في الوسط.
UN News

السفير بيندا ناندا المندوب الدائم لناميبيا لدى الأمم المتحدة ونائب رئيس لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف أكد ضرورة تعزيز العدالة والمساءلة للنساء الفلسطينيات.

وفي سياق مناقشة موضوع اجتماع لجنة وضع المرأة لهذا العام - تعزيز وصول النساء والفتيات إلى العدالة - شدد ناندا على أن الأنظمة القانونية الشاملة وإزالة القوانين التمييزية أمران أساسيان لتحقيق المساواة بين الجنسين. 

وسلط الضوء على الأثر غير المتناسب للاحتلال الإسرائيلي على النساء الفلسطينيات، مشيرا إلى أن "بنية الاحتلال وآثاره تُلحق ضررا بالغا بالنساء اللواتي لا يتمتعن بفرص متساوية للوصول إلى العدالة".

واستعرض بالتفصيل مجموعة من الانتهاكات التي تلحق بالنساء الفلسطينيات - تشمل "هدم المنازل، والتهجير القسري، وتفريق الأسر، وتقييد الحركة، وإساءة معاملة المعتقلات". وشدد على أن هذه الممارسات لا تقوض الحقوق الأساسية فحسب، بل تُعمّق أيضا أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية. 

"قطاع غزة بلا عدالة"

صورة لـ Amal Syam، وهي محترفة في مجال الأعمال في الشرق الأوسط، جالسة في كرسي مكتب على خلفية مكتبية حديثة مع مظلات.
UN News

عبر الفيديو من غزة، تحدثت السيدة آمال صيام مديرة مركز شؤون المرأة في قطاع غزة عن "انهيار العدالة" بالنسبة للمرأة الفلسطينية في غزة، مبينة كيف أدت الحرب والاحتلال إلى تفكيك الأنظمة القانونية وتجريد النساء من أبسط حقوقهن. ووصفت واقعا بات فيه "قطاع غزة بلا عدالة"، مسلطة الضوء على الانهيار شبه التام للمؤسسات القضائية وسط استمرار العنف والنزوح والأزمة الإنسانية.

وشددت على أن الوصول إلى العدالة لا ينفصل عن الظروف المعيشية العامة، مشيرة إلى أن الحرب لم تدمر البنية التحتية فحسب، بل دمرت أيضا الأسس القانونية والمؤسسية اللازمة لحماية الحقوق. 

وأوضحت أن "المحاكم سُوّيت بالأرض، وشُلّت الأنظمة القانونية، وباتت النساء بلا سبل رسمية للانتصاف". وفي هذا السياق، أكدت أن "العدالة تتطلب بيئة تشريعية عادلة... خالية من الخوف والجوع والنزوح".

واختتمت حديثها بالدعوة إلى تقديم الدعم الدولي لإعادة بناء النظام القانوني في غزة، وضمان المساءلة، واستعادة العدالة للمرأة الفلسطينية باعتبارها حجر الزاوية في التعافي وحقوق الإنسان.

"عرقلة تحقيق العدالة"

صورة رأسية لـ Sawsan Zaher أثناء المقابلة، وهي ترتدي النظارات والسترة السوداء فوق عقدة الأرجواني. وهي تجلس أمام رفوف مكتبات مليئة بالكتب.
UN News

عبر الفيديو من حيفا، تحدثت سوسن زاهر - وهي محامية حقوقية فلسطينية - عن دور المحكمة العليا الإسرائيلية فيما وصفتها بـ "عرقلة التعويضات وتوفير الإفلات من العقاب لجرائم الحرب الإسرائيلية". 

وانتقدت السيدة سوسن زاهر النظام القانوني الإسرائيلي، مشيرة إلى أنه "يعرقل بشكل ممنهج تحقيق العدالة والمساءلة عن الانتهاكات المرتكبة ضد الفلسطينيين، ولا سيما النساء". 

وشددت على أن الوصول إلى العدالة أمر أساسي لمحاسبة الجناة، إلا أنه لا يزال بعيد المنال إلى حد كبير، حسبما قالت. وأشارت إلى أن "الوصول إلى العدالة جزء لا يتجزأ من محاسبة إسرائيل على الجرائم التي ترتكبها"، مؤكدة أهميته في أي عملية قانونية فعّالة.

التعويضات في السياق الفلسطيني

صورة من الشاشة تظهر امرأة تدعى لينا فاطم في مكالمة فيديو. لديها شعر أسود، ترتدي نظارات، ترتدي سترة سوداء فوق قميص أبيض، وتبتسم إلى الكاميرا.
UN News

القانونية الفلسطينية، لينا فطوم قدّمت إطارا شاملا للتعويضات في السياق الفلسطيني، مع التركيز بشكل خاص على تأثيرها على النساء وضرورة تحقيق عدالة تراعي الفوارق بين الجنسين.

وأوضحت أن التعويضات تتجاوز التعويض المالي لتشمل أشكالا متعددة كالاسترداد وإعادة التأهيل وضمانات عدم التكرار. وفي الحالات التي يتعذر فيها الاسترداد، يصبح التعويض وإعادة التأهيل أمرا بالغ الأهمية. 

وشددت لينا فطوم على أن الانتهاكات في فلسطين هيكلية وفردية في آنٍ واحد، مما يستدعي حلولا واسعة النطاق كإنهاء الاحتلال واستعادة السيادة الفلسطينية، إلى جانب التعويض والدعم الفرديين.

وسلطت الضوء على التأثير غير المتناسب على النساء والفتيات، مشيرة إلى أن النزوح وفقدان الممتلكات والصعوبات الاقتصادية أدت كلها إلى إضعاف دور المرأة داخل الأسر والمجتمعات. وفي بعض الحالات، فقدت النساء اللواتي كنّ يُسهمن اقتصاديا - كما هو الحال في المجتمعات الريفية أو البدوية - مصادر رزقهن وسلطة اتخاذ القرار.

ودعت فطوم إلى اتباع نهج شامل وتشاركي لتحقيق العدالة، مشيرة إلى أن التعويضات يجب أن تُعيد للمرأة حقوقها في الأرض والممتلكات والاستقلال الاقتصادي.

تأثير ديناميات النزاع على وصول المرأة إلى العدالة

كارول دانيال كاسباري، المندوب اللبناني، في اجتماع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
UN News

من جانبها، أكدت الدكتورة كارول دانيال كاسباري الخبيرة في مركز كارتر بالولايات المتحدة الأمريكية، على الحاجة المُلحة لإدماج منظور النوع الاجتماعي في تنفيذ وقف إطلاق النار وإعادة إعمار غزة. 

واستنادا إلى خبرتها التي تزيد عن 20 عاما في حل النزاعات، سلطت الضوء على كيفية تأثير الأنظمة السياسية وديناميات النزاع بشكل مباشر على وصول المرأة إلى العدالة ومشاركتها واستقرارها على المدى الطويل.

وشددت كاسباري على أن المناقشات السياسية الحالية حول وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار غالبا ما تستبعد النساء الفلسطينيات، مما يعني أنهن الأكثر تضررا بالنتائج. 

وحذرت من أن مجرد وقف العنف لا يُفكك أنظمة السيطرة الكامنة. بدون معالجة هذه المشكلات، ستستمر النساء في مواجهة قيود على الوصول إلى الرعاية الصحية والعدالة والفرص الاقتصادية.

واقترحت تدابير ملموسة، تشمل ضمان حرية تنقل النساء، وإنشاء آليات رصد تراعي الفوارق بين الجنسين، وحماية حقوقهن السكنية والقانونية، وتعزيز إدماجهن الاقتصادي في جهود إعادة الإعمار. كما دعت إلى محاسبة الدول التي قد تُسهم سياساتها في استمرار الأنظمة التمييزية.

واختتمت حديثها بالقول: "إن وقف إطلاق النار الذي يُبقي على أنظمة السيطرة القائمة ليس سلاما، بل هو احتواء".

يشار إلى أن موضوع الدورة السبعين للجنة وضع المرأة لهذا العام هو "ضمان وتعزيز وصول جميع النساء والفتيات إلى العدالة، بما في ذلك من خلال تعزيز أنظمة قانونية شاملة وعادلة، وإلغاء القوانين والسياسات والممارسات التمييزية، ومعالجة العوائق الهيكلية".