تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ارتفاع زواج الأطفال في غزة مع تفاقم الفقر والنزوح

تُقدّم مراكز صندوق الأمم المتحدة للسكان للشباب خدمات الاستجابة والحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، والدعم النفسي، ومعلومات الصحة الجنسية والإنجابية، ومستلزمات النظافة، وجلسات توعية لمكافحة تزايد زواج الأطفال والحمل المبكر.
© UNFPA Palestine/Social Development Forum
تُقدّم مراكز صندوق الأمم المتحدة للسكان للشباب خدمات الاستجابة والحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، والدعم النفسي، ومعلومات الصحة الجنسية والإنجابية، ومستلزمات النظافة، وجلسات توعية لمكافحة تزايد زواج الأطفال والحمل المبكر.
"عندما طلبتْ عمتي تزويجي لابنها، وافق والدي على الفور. لم يكن هناك زفاف، ولا فستان، ولا احتفال. شعرتُ وكأنه صفقة للتخلص من عبء ثقيل". هكذا تصف أمل وهي طفلة من خان يونس جنوب غزة تجربتها مع الزواج المبكر.

تتواتر التقارير التي تشير إلى تنامي ظاهرة تزويج القاصرات في ربوع قطاع غزة؛ ففي ظل واقع النزوح المرير وتفشي الفقر وانهيار المنظومات القانونية والصحية وشبكات الحماية الاجتماعية، تآكلت ركائز الأمن مما دفع الأسر نحو مفاضلات قاسية وخيارات مستحيلة. 

أصبح تزويج الفتيات لدى الكثيرين استراتيجية للتعامل مع العوز المادي، أو وسيلة يُبتغى منها درء مخاطر الاعتداء والاستغلال الجنسي التي تتفشى في خضم الأزمات.

أمل* - التي كانت تبلغ من العمر 14 عاما فقط آنذاك - بحثت عن بصيص أمل في خضم يأسها. قالت: "قلت لنفسي ربما ستكون الحياة أفضل. ربما سيهتم بي أحدهم ولن أنام جائعة. لكن ليلة زفافي كانت قاسية للغاية".

عانت أمل من نزيف حاد نتيجة إجبارها على ممارسة الجماع وهي لا تزال طفلة، في ظل سوء التغذية، وضعف جسدها النحيل جراء شهور من النزوح والضغط النفسي. وقالت لصندوق الأمم المتحدة للسكان - وكالة الأمم المتحدة المعنية بالصحة الجنسية والإنجابية: "تزوجت لأهرب من محنة، لأجد أخرى".

نكسة في الحد من زواج الأطفال في غزة

تُقوّض الحرب عقودا من التقدم المُحرز في الحد من زواج الأطفال في غزة: ففي عام 2022، انخفضت نسبة الزيجات المُسجلة للفتيات دون سن الثامنة عشرة إلى 17.9%، بعد أن كانت تتجاوز 28% في عام 2009. 

ورغم ندرة البيانات حاليا نتيجة تدمير أنظمة المعلومات والقانون والصحة بشكل كبير، يُشير العاملون الاجتماعيون إلى ارتفاع حاد في هذه النسب.

ومع ذلك، يُرجّح أن تكون هذه الأرقام أقل من الواقع لأن العديد من الزيجات لن تُسجّل رسميا إلا لاحقا، بعد استقرار الخدمات، أو عند بلوغ الفتاة السن القانونية أو حملها. كل هذا يحرم الفتيات من الحماية القانونية أو حقهن في التمتع بحقوقهن.

امرأة ترتدي حجاباً على رأسها تشارك بنشاط في جلسة تخطيط، وتكتب على لوحة بيضاء مغطاة بالملصقات الملونة.
© UNFPA/Social Development Forum
ولتوفير بيئة آمنة حيث يمكن للفتيات طلب المساعدة الفورية والطويلة الأجل من العنف القائم على النوع الاجتماعي، يدعم صندوق الأمم المتحدة للسكان المساحات الآمنة ومراكز الشباب وخيام الفتيات في جميع أنحاء غزة.

ارتفاع معدلات الحمل لدى المراهقات ومخاطره

في كانون الأول/ديسمبر2025، شكلت المراهقات ما يقارب 10% من حالات الحمل المسجلة حديثا، وكثيرات منهن يعانين من سوء التغذية وفقر الدم، ويفتقرن إلى الرعاية الصحية اللازمة قبل الولادة.

تقول هبة* من بيت حانون شمال غزة، والتي تزوجت في سن السادسة عشرة: "لطالما رفضت فكرة الزواج. كنت أرغب في النجاح في مشروع صالون التجميل الخاص بي وبناء مستقبلي. لكن الحياة التي حلمت بها تبددت. عانيت من حالات إجهاض متكررة خلال ستة أشهر. الحرب سلبت مني بيتي وعملي، وحتى حملي".

لا يستطيع سوى ربع المرافق الصحية في غزة حاليا تقديم الرعاية الطارئة للأمهات والمواليد الجدد، مما يزيد بشكل كبير من خطر حدوث مضاعفات. ومع ندرة الإمدادات المسموح بدخولها إلى القطاع - بما فيها مستلزمات الصحة الجنسية والإنجابية - قد تكون العواقب وخيمة، بل ومميتة.

بالنسبة لأمل، كان إنجاب طفل أمرا شبه مستحيل. وعن ذلك تقول: "أفكر الآن في أن أصبح أما، لكنني أظل أتساءل كيف سأطعم طفلي، وهل سيتحمل جسدي الحمل والولادة؟"

الزواج وانهيار أنظمة الحماية

تتزايد التقارير عن الإكراه والعنف القائم على النوع الاجتماعي والضغوط النفسية الشديدة التي تتعرض لها الفتيات المراهقات في غزة. بالنسبة للعديد من العائلات، يمثل الزواج شكلا من أشكال الحماية (أو السترة)، ولكنه قد ينطوي أيضا على مخاطره الخاصة، كالعنف الأسري، وحرمان الفتيات من حقوقهن، وحمل المراهقات.

ولتوفير بيئة آمنة تستطيع الفتيات فيها طلب المساعدة الفورية وطويلة الأمد، يدعم صندوق الأمم المتحدة للسكان حاليا 20 مركزا آمنا، و15 مركزا للشباب، و11 خيمة للفتيات في أنحاء غزة.

تقدم هذه المراكز خدمات الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي والحماية منه، والدعم النفسي، ومعلومات عن الصحة الجنسية والإنجابية، ومستلزمات النظافة، وجلسات توعية لمواجهة تزايد زواج الأطفال والحمل المبكر.

ولعل الأهم من ذلك كله، أنها توفر ملاذا نادرا تجد فيه الفتيات شعورا بالاستقرار وسط الأزمة.

متطوعة شابة من صندوق الأمم المتحدة للسكان تقود جلسة تعليم جنسي شامل للفتيات المراهقات في مبادرة خيمة الفتيات في غزة.
© صندوق الأمم المتحدة للسكان/منتدى التنمية الاجتماعية
كما تساعد المبادرات التي يدعمها صندوق الأمم المتحدة للسكان الشباب في غزة على تطوير مهارات القيادة والمشاركة في المبادرات التي يقودها الشباب، مما يعطيها القدرة على لعب دور نشط في مجتمعاتها والحفاظ على الأمل في مستقبل أفضل.

"شعرت أنني أكبر من سني"

فرّت صفاء* من ملجأ إلى آخر بعد قصف منزل عائلتها في شمال غزة، وانتهى بها المطاف في أحد المراكز الآمنة لصندوق الأمم المتحدة للسكان. 

وقد حكت تجربتها بالقول: "لم يكن هناك خصوصية، ولا طعام، ولا أمان. كانت والدتي الحامل تضعف يوما بعد يوم، وكنت أعاني أيضا من سوء التغذية. وافقت على الزواج في الخامسة عشرة من عمري لأن (زوجي) كان يملك منزلا، وظننت أن ذلك سيمنحني الأمان والاستقرار".

لكن سرعان ما تبدد هذا الأمل، لأنه، حسبما تقول، "لم يكن هناك منزل، ولا احتفال، فقط خيمة. شعرت أنني أكبر من سني، أحمل مسؤوليات تفوق طاقتي. والآن أنتظر طفلا في غرفة مدمرة، بعد كل ما فقدناه".

تسببت الحرب في تدمير معظم المدارس في غزة أوتحويلها إلى ملاجئ، مما يعني فقدان أحد أقوى عوامل الحماية من زواج القاصرات. وقالت منال*، 17 عاما، في مساحة آمنة تدعمها منظمة الأمم المتحدة للسكان: "بسبب الحرب، أُجبرت على ترك المدرسة. اليوم أجلس في إحدى مدارس الملاجئ، أعيش كزوجة تحت سقف من الألم، لا كطالبة تحمل كتبها وتحلم بمستقبلها".

*تم تغيير الأسماء حفاظا على خصوصية الفتيات. 

هذه المقالة كتبت أولا باللغة الإنجليزية بواسطة الزملاء في صندوق الأمم المتحدة للسكان وقمنا بترجمتها، بتصرف، إلى اللغة العربية.