تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأمم المتحدة تحذر من "هجوم شامل" على حقوق الإنسان حول العالم

مقر مجلس حقوق الإنسان في جنيف
UN Photo/Jean-Marc Ferré
مقر مجلس حقوق الإنسان في جنيف
حذر أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش من أن حقوق الإنسان تتعرض لهجوم شامل في جميع أنحاء العالم، منبها إلى أن "سلطة القوة باتت تطغى على سيادة القانون". وأوضح أن هذا الاعتداء لا يأتي من الخفاء، ولا هو بالحدث المباغت؛ "بل إنه يقع على مرأى ومسمع الجميع، وغالبا ما يقوده أصحاب القوة العظمى".

وتحدث الأمين العام في افتتاح الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، اليوم الاثنين، مشيرا إلى أن كلمته هذه ستكون آخر كلمة له في افتتاح المجلس، بوصفه أمينا عاما للأمم المتحدة، حيث تنتهي فترة ولايته آخر العام الحالي.

وأشار غوتيريش إلى أن حقوق الإنسان تتعرض لصد ممنهج في جميع أنحاء العالم، "يتم تارة عن عمد، وتارة وفق استراتيجية مرسومة، بل ويصل الأمر أحيانا إلى التباهي بهذا التراجع". 

Tweet URL

وحذر من عواقب وخيمة لهذا التراجع، مشيرا إلى أنه عندما تنهار حقوق الإنسان، ينهار كل شيء آخر - بدءا من السلام إلى التنمية إلى التماسك الاجتماعي إلى الثقة والتضامن.

ولهذا السبب تحديدا، شدد أنطونيو غوتيريش على أهمية أدوات مجلس حقوق الإنسان، بما فيها المقررون الخاصون وآليات التحقيق والاستعراض الدوري الشامل. ومع حلول الذكرى العشرين لتأسيس المجلس، أكد غوتيريش أن الضرورة باتت ملحة لتحويل الانخراط الجيوسياسي إلى مسار فعلي لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها عالميا.

أزمة حقوق الإنسان ليست حالة معزولة

وقال الأمين العام إننا "نعيش في عالمٍ تُبرر فيه المعاناة الجماعية، حيث يُستخدم البشر كورقة مساومة، وحيث يُعامَل القانون الدولي على أنه مجرد عائق. تتزايد الصراعات، وأصبح الإفلات من العقاب وباء. لا يعود ذلك إلى نقص المعرفة أو الأدوات أو المؤسسات. بل هو نتيجة خيارات سياسية".

وأوضح أن أزمة احترام حقوق الإنسان هذه ليست حالة معزولة، بل هي مرآة تعكس وتُضخِّم كل انقسام عالمي آخر.

وأضاف: "تتزايد الاحتياجات الإنسانية بشكل هائل بينما ينهار التمويل. تتسع الفوارق بسرعة مذهلة. تغرق الدول في الديون واليأس. يتسارع تدهور المناخ. وتُستخدم التكنولوجيا - وخاصة الذكاء الاصطناعي - بشكل متزايد بطرق تقمع الحقوق، وتعمق عدم المساواة، وتُعرِّض المهمشين لأشكال جديدة من التمييز، سواء على الإنترنت أو في الواقع".

وعلى كافة الجبهات، وفقا للأمين العام، يُدفع الضعفاء أصلا إلى مزيد من التهميش، مشيرا إلى أن المدافعين عن حقوق الإنسان هم أول من تكمَّم أفواههم عندما يحاولون تحذيرنا.

وأوضح أن حقوق الإنسان هي أولى الضحايا في "هذا الهجوم المنسق". وأضاف: "نرى ذلك في تشديد الخناق على الحيز المدني. سجن الصحفيين والناشطين. إغلاق المنظمات غير الحكومية. التراجع عن حقوق المرأة. تجاهل حقوق الطفل. استبعاد ذوي الإعاقة. تآكل الديمقراطيات. سحق الحق في التجمع السلمي".

وجدد غوتيريش في هذا الصدد إدانته للقمع العنيف للاحتجاجات الأخيرة في إيران.

حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة

وأكد أمين عام الأمم المتحدة أن حقوق الإنسان "ليست شعارا يُطلق في أوقات الرخاء، بل هي واجب في كل حين. لذا، يجب علينا الدفاع عنها، حتى وإن كان ذلك صعبا أو غير ملائم أو مكلفا". وأوضح أن ذلك يتطلب تحركا عاجلا على ثلاثة محاور:

⬅️أولا، ضرورة حماية أسسنا المشتركة دون أي مساومة،

وأكد في هذا السياق أن "مـيثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وصكوك القانون الدولي لحقوق الإنسان ليست خيارات قابلة للتجزئة. لا يمكن للقادة انتقاء ما يروق لهم منها وتجاهل الباقي. كما أن حقوق الإنسان نفسها غير قابلة للتجزئة".

⬅️ثانيا، ضرورة تعزيز مؤسساتنا،

وفي هذا الصدد، قال الأمين العام إنه لا يمكننا التظاهر بأن خلل نظام الحوكمة العالمية الحالي منفصل عن التدهور العالمي لحقوق الإنسان. وأكد ضرورة إصلاح مجلس الأمن كي "يعكس واقع عالمنا اليوم، لا عالم عام 1945".

⬅️ثالثا، إطلاق العنان لقوة حقوق الإنسان،

في هذا الشأن، قال أنطونيو غوتيريش إن حقوق الإنسان ليست مجرد ما ندافع عنه، بل هي ما يرتقي بالعالم إلى مكان أفضل، مشيرا إلى أنه "عندما تُصان الحقوق، يعيش الناس بحرية أكبر. وتنمو الاقتصادات بشكل أكثر عدلا. وتزداد ثقة المجتمعات. ويسود السلام والاستقرار لأن الكرامة تتجذر".

وأكد أن "حقوق الإنسان ليست عائقا أمام التقدم، بل هي أساسه".

أوكرانيا، فلسطين، السودان

الأمين العام تطرق إلى الوضع في أوكرانيا، مشيرا إلى أنه سيلقي كلمة أمام مجلس الأمن يوم غد الثلاثاء بمناسبة الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، حيث قُتل أكثر من 15 ألف مدني. وأكد غوتيريش أن الوقت قد حان لوقف إراقة الدماء.

وتطرق أنطونيو غوتيريش أيضا إلى كلمته التي ألقاها في مستهل هذا الشهر أمام لجنة ممارسة الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني حول الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وكرامته والقانون الدولي في الأرض الفلسطينية المحتلة، محذرا من أن "المسار الحالي واضح وجلي ومقصود: حل الدولتين يُقوَّض جهارا نهارا". وأكد أن المجتمع الدولي لا يمكنه أن يسمح بحدوث ذلك.

كما تحدث عن مشاركته في قمة الاتحاد الأفريقي حيث كانت أزمات السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومنطقة الساحل وغيرها من الأزمات في صميم النقاش.

درع لكل من يحتاج إليه

ووجه الأمين العام أنطونيو غوتيريش نداء في آخر كلمة له في افتتاح مجلس حقوق الإنسان، بوصفه أمينا عاما للأمم المتحدة، حيث قال:

"لا تسمحوا لتآكل حقوق الإنسان بأن يصبح ثمنا مقبولا للمصالح السياسية أو التنافس الجيوسياسي. لا تدعوا السلطة تكتب قواعد جديدة لا يتمتع فيها الضعفاء بأي حقوق ولا توجد فيها حدود للأقوياء. ليكن مجلس حقوق الإنسان هذا صوتا ودرعا لكل من يحتاج إليه. ليكن هذا المكان الذي يُسهم في وضع حد للاعتداء الوحشي وواسع النطاق على حقوق الإنسان. لأن العالم الذي يحمي حقوق الإنسان يحمي نفسه".

دعوة لاستلهام الدروس من التاريخ

رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنالينا بيربوك قالت إن خطابها - على غرار خطاب الأمين العام - هو دعوة للعمل موجهة إلينا جميعا، لأن التاريخ، حسبما قالت "يُعلمنا أن الأنظمة الكبيرة نادرا ما تنهار في لحظة واحدة. بل تتآكل ببطء، قاعدة تلو الأخرى، والتزاما تلو الآخر، مع صمت من كان من المفترض أن يدافعوا عنها، إلى أن يختفي ما بدا دائما في يوم من الأيام".

وتابعت: "لسنا متفرجين نتمتع برفاهية الوقوف على الهامش بينما يتكشف الظلم. الصمت خيار. والتقاعس خيار، وله عواقب. لكن الخبر السار هو أن العمل خيار أيضا، وهو بأيدينا".

وتطرقت رئيسة الجمعية العامة إلى ختام دورة الألعاب الأولمبية في إيطاليا وبداية دورة الألعاب البارالمبية، حيث قالت: "لقد أظهر لنا الرياضيون من جميع أنحاء العالم، بكل تنوعهم، مرة أخرى ما يمكننا تحقيقه عندما نتحد، على الرغم من اختلافاتنا، أو بالأخص بسبب تنوعنا، لنتنافس بقوة ونزاهة، على قدم المساواة، وفقا للقواعد نفسها، وفي ظل الاحترام المتبادل دائما، إيمانا منا بأن الحياة حياة، وأن الإنسان إنسان".

مجلس حقوق الإنسان ذو أهمية بالغة

رئيس مجلس حقوق الإنسان، سيدهارتو رضا سوريوديبورو دعا إلى الوقوف دقيقة صمت حدادا على ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم.

وقال إن الحضور القوي لأكثر من 120 شخصية رفيعة المستوى لافتتاح فعاليات الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان يبعث برسالة قوية مفادها أن هذا المجلس ذو أهمية بالغة، وأن حقوق الإنسان ذات أهمية قصوى، وأن التعاون متعدد الأطراف لا يزال ضروريا لمواجهة التحديات المشتركة. 

ودعا سوريوديبورو إلى أن تكون هذه الدورة بمثابة دعوة متجددة للاستماع والتعاون والعمل، وأن تُبرز استجابة المجلس لمتطلبات اللحظة الراهنة.

منافسة شرسة لا مثيل لها

بدوره، قال مفوض حقوق الإنسان فولكر تورك إن العالم يشهد "منافسة شرسة على السلطة والنفوذ والموارد بوتيرة وكثافة لم نشهدها منذ ثمانين عاما". وقال إن الناس يشعرون بالضياع والقلق وانعدام الأمان. 

وأضاف المفوض السامي أن موازين القوى العالمية تتغير، وأن عواقب ذلك غير واضحة: "يشير البعض إلى نهاية النظام العالمي كما نعرفه. لكنني اليوم أريد أن أتحدث عن نظام عالمي آخر. نظام أساسي لكيفية تعامل الناس مع بعضهم البعض، قائم على قيمتنا الذاتية وآمالنا وقيمنا المشتركة. إنني أشير إلى سعي الناس نحو الكرامة والمساواة والعدالة".

ونبه فولكر تورك إلى أن استخدام القوة لحل النزاعات بين الدول وداخلها أصبح أمرا طبيعيا. وأضاف: "تُطلق تهديدات تحريضية ضد الدول ذات السيادة، دون أدنى اعتبار للعواقب الوخيمة التي قد تنجم عنها. تُنتهك قوانين الحرب بوحشية. معاناة مدنية جماعية تتكشف أمام أعيننا - من السودان إلى غزة إلى أوكرانيا إلى ميانمار".