تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مستقبل البشرية مرهون بحماية المحيط، فماذا سيحدث إذا استمر تدهوره بالوتيرة الحالية؟

شعاب مرجانية قبالة سواحل إحدى الجزر في بولينيزيا الفرنسية.
© Ocean Image Bank/Hannes Klost
شعاب مرجانية قبالة سواحل إحدى الجزر في بولينيزيا الفرنسية.
يغطي المحيط أكثر من 70% من سطح الأرض، وينظم المناخ، ويحافظ على التنوع البيولوجي، ويدعم الاقتصادات والثقافات في جميع أنحاء العالم. إنه أساس الحياة على كوكب الأرض. ولكن مع ذلك، تعرض المحيط لضغوطات ويواجه تهديدات متعددة في المستقبل لا تهدد صحته فحسب، بل تهدد مستقبل البشرية جمعاء.

أمضى نحو 550 خبيرا من 86 دولة نحو خمس سنوات في إعداد تقييم شامل من 1600 صفحة، يُفصّل التحديات التي يواجهها المحيط. يقدم هذا الدليل العلمي المعرفة التي تحتاجها البشرية لحماية كوكب الأرض والحفاظ عليه.

يُعرف هذا التقييم باسم "تقييم المحيط العالمي". في هذا المقال نبرز أهم ما كشفت عنه صفحاته الـ 1600.

ملحوظة: نستخدم كلمة "المحيط" للدلالة عن "المحيطات والبحار" لأنها جميعا متصلة ببعضها البعض وتشكل في النهاية محيطا واحدا.

للمحيط أهمية بالغة للناس في كل مكان

🔹يُؤثر المحيط في حياة كل فرد يوميا، حتى وإن لم يكن من سكان المناطق الساحلية.

🔹يُساهم المحيط في استقرار المناخ من خلال امتصاص معظم الحرارة الزائدة على كوكب الأرض، بالإضافة إلى الحد من انبعاث غازات الاحتباس الحراري الضارة. بدون تأثيره المُبرّد، يُتوقع حدوث طقس أكثر تطرفا، مما يُهدد النظم الغذائية وسلاسل الإمداد، وأسواق التأمين.

🔹يعدّ المحيط مصدرا للغذاء. فعندما تنهار مخزونات الأسماك أو تتعطل سلاسل الإمداد بسبب تأثيرات المناخ أو الصيد غير القانوني، ترتفع الأسعار، ليس فقط للمأكولات البحرية، بل للعديد من الأطعمة التي تعتمد على التجارة العالمية والاقتصادات الساحلية.

🔹يوفر المحيط فوائد صحية نفسية وجسدية، وأدوية، ونسبة كبيرة من الأكسجين الذي نتنفسه.

🔹يدعم المحيط تريليونات الدولارات من التجارة العالمية والسياحة وفرص العمل.

المحيط يتعرض لضغوط متزايدة

يُعيد البشر تشكيل النظم البيئية البحرية. بلغ عدد سكان العالم 8.2 مليار نسمة في عام 2024، يعيش 37% منهم على بُعد 100 كيلومتر من الساحل.

وقد أدى ذلك حتما إلى تركيز النشاط البشري والاقتصادي في المناطق الساحلية الهشة، مما زاد من استخراج الموارد الطبيعية، وتوسيع البنية التحتية، وتصريف النفايات، وتدهور الموائل. 

وفي الوقت نفسه، تشهد المشاريع في عرض البحر تصاعدا ملحوظا؛ حيث تعمل مزارع الرياح والبنية التحتية للنفط في المياه العميقة وتوسيع كابلات وخطوط أنابيب قاع البحر على تغيير الموائل بعيدا عن الشاطئ.

يقف رجل عاري الصدر أمام باب منزله ذي السقف المعدني في قرية ساحلية في منطقة سوندربانز بالهند، محاطًا بمياه الفيضانات الناتجة عن ارتفاع مستوى سطح البحر والأعاصير.
© Ocean Image Bank/Dipayan Bose رجل يقف عند مدخل منزله ذي السقف الصفيحي الذي غمرته المياه في قرية ساحلية في الهند.

تغيّر المناخ يُغيّر الظروف

البيانات المتعلقة باحترار المحيط وارتفاع مستوى سطح البحر مُذهلة.

🔹تضاعف معدل ارتفاع مستوى سطح البحر، نتيجة ذوبان القمم الجليدية وتمدد المياه بفعل ارتفاع درجة الحرارة، من 1.9 ملم/سنة قبل عام 2015 إلى 4.3 ملم/سنة في عام 2023.

🔹ترتفع درجات حرارة القطب الشمالي أسرع بأربع مرات من المتوسط ​​العالمي.

🔹تمتد المناطق التي تعاني من نقص الأكسجين (أو المناطق الميتة)، حيث تنخفض مستويات الأكسجين إلى درجة لا تسمح لمعظم الكائنات البحرية بالبقاء، على مساحة 4.5 مليون كيلومتر مربع.

🔹حدث 16% من إجمالي الزيادة في درجات حرارة المحيط منذ عام 1955 بعد عام 2018.

يقف طائران من طيور الغاق القطبية الجنوبية على نتوء صخري في المقدمة، مع جبال جليدية كبيرة وجبال مغطاة بالثلوج في الخلفية تحت سماء ملبدة بالغيوم.
© Ocean Image Bank/Vivek Mehra طائران من غراب البحر القطبي الجنوبي.

التنوع البيولوجي آخذ في التراجع

تتعرض الحياة البحرية لضغوط شديدة، تتجلى في انخفاض الشعاب المرجانية في منطقة البحر الكاريبي بنسبة 80% تقريبا منذ سبعينيات القرن الماضي. 

قد يختفي 90% من الشعاب المرجانية العالمية إذا تجاوز الاحترار 1.5 درجة مئوية فوق المستويات الصناعية. تستمر النظم البيئية الساحلية الحيوية، كأشجار المانغروف والأعشاب البحرية، في الانكماش.

تتجه أنواع الكائنات الحية، من العوالق إلى الثدييات البحرية، نحو القطبين الشمالي والجنوبي مع ارتفاع درجات الحرارة، في حين تنتشر الأنواع غير الأصلية بسهولة أكبر في ظل الظروف البيئية المتغيرة.

التلوث واسع الانتشار ومتزايد

التلوث البحري آخذ في التزايد. يدخل المحيط سنويا 52 مليون طن من النفايات البلاستيكية، مما يساهم في تكوين ما يقدر بنحو 24 تريليون جسيم بلاستيكي دقيق، والتي من المعروف الآن أنها تؤثر على أكثر من 4000 نوع من الكائنات البحرية.

يتزايد التلوث الكيميائي أيضا، حيث تم الكشف عن أكثر من 4000 مركب من المستحضرات الصيدلانية ومنتجات العناية الشخصية في المياه البحرية.

الخبر السار؟ انخفضت بعض الملوثات القديمة، مثل الزئبق، في بعض المناطق.

النظم الغذائية البحرية تتعرض للتهديد

تُعد النظم الغذائية البحرية مصدرا حيويا للتغذية وسبل العيش، حيث توفر 20% من البروتين الحيواني الذي يستهلكه البشر على مستوى العالم.

يستمر الاستزراع المائي البحري في التوسع، وأصبح صناعة عالمية بقيمة 90 مليار دولار. إضافة إلى ذلك، يمارس 121 مليون شخص الصيد الترفيهي البحري، مما يُسهم في دعم الاقتصادات المحلية وتعزيز الرفاه.

ومع ذلك، فإن استقرار هذه الأنظمة مُعرّض للخطر بشكل متزايد:

🔹تم استنزاف 37% من مخزون الأسماك في عام 2021.

🔹يُقدّر أن الصيد غير القانوني وغير المُبلّغ عنه وغير المُنظّم يُزيل ما بين 8 و14 مليون طن سنويا، ليدر ما بين 9 و17 مليار دولار من الإيرادات غير المشروعة.

🔹لا يزال تفشي الأمراض والتلوث والضغوط المناخية يشكّلون تحديا لاستدامة تربية الأحياء المائية البحرية ومصايد الأسماك على المدى الطويل.

تسبح مجموعة من أسماك الماكريل المخططة بالقرب من قطعة من البلاستيك العائمة في المحيط.
© Ocean Image Bank/Naja Bertolt مجموعة من أسماك الماكريل المخططة تأكل البلاستيك في المحيط.

اقتصاد المحيط ضخم، ولكنه غير مستدام

تقدّر قيمة اقتصاد المحيط بـ 1.5 تريليون دولار سنويا، ومن المتوقع أن تتجاوز 3 تريليونات دولار بحلول عام 2030. يدعم قطاع السياحة الساحلية والبحرية 174 مليون وظيفة.

تُبذل جهود لفهم الآثار المستمرة واستدامة إنتاج النفط والغاز في عرض البحر، فضلا عن النقل البحري الذي ينقل أكثر من 80% من التجارة العالمية ويساهم في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية.

الحوكمة والمعرفة

يكتسب التعاون الدولي في مجال حوكمة المحيط زخما متزايدا، إلا أن المعاهدات العالمية الـ 57 المتعلقة بحماية المحيط تُؤدي إلى نهج مُجزّأ.

تحقيق اقتصاد محيطات مستدام يتطلب الإنصاف، وإدراجا بارزا لمعارف وممارسات المجتمعات الأصلية التقليدية. فبدونها، سيصعب تحقيق صحة المحيطات، ورفاهية المجتمعات، والتنمية المستدامة، والعادلة.

لا تزال هناك فجوات كبيرة في المعرفة المتعلقة بالمحيط، حيث لم يتم رسم خرائط سوى 27% من قاع البحر حتى عام 2025، مما يجعل فهم النظم البيئية في أعماق البحار، والعمليات البيولوجية، والآثار التراكمية ضعيفا. 

منظر جوي لخليج ماريجوت في سانت لوسيا، يظهر شاطئًا استوائيًا بأشجار النخيل ومياه فيروزية وقوارب.
© Unsplash/Omar Eagle يشكل ارتفاع مستوى سطح البحر تهديدا لصناعة السياحة في أماكن مثل سانت لوسيا في منطقة البحر الكاريبي.

الحلول متوفرة بكثرة

على الرغم من الضغوط المتزايدة، توجد حلول، تشمل مناهج قائمة على الطبيعة، وخفض الانبعاثات، وتوسيع نطاق حماية البيئة البحرية.

مع ذلك، حتى مع استعادة النظم البيئية للمحيط بشكل كامل، لن يُسهم ذلك إلا بنحو 2% فقط من أهداف التخفيف من آثار تغير المناخ العالمية، مما يُؤكد الحاجة إلى تغيير جذري.

العقد القادم حاسم: فبدون تحرك عالمي سريع ومنسق، ستستمر صحة المحيط في التدهور، مما يُهدد استقرار المناخ، ومرونة التنوع البيولوجي، والأمن الغذائي، وسبل العيش، ورفاهية مليارات البشر.